الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٧٨
يقول الشيخ الرئيس في هذا المجال: «إذا بلغك أنّ عارفاً أطاق بقوته فعلاً، أو تحريكاً، أو حركة تخرج عن وسع مثله، فلا تتلقه بكل ذلك الإستنكار، فلقد تجد إلى سببه سبيلاً في اعتبارك مذاهب الطبيعة... وإذا بلغك أنّ عارفاً حدّث عن غيب فأصاب، متقدماً ببشرى أو نذير، فصدّق ولا يتعسرّن عليك الإيمان به، فإنّ لذلك في مذاهب الطبيعة أسباباً معلومة»[١].
ويقول صدر المتألّهين: «لا عجب أن يكون لبعض النفوس قوة إلهية، فيطيعها العنصر في العالم المادي، كإطاعة بدنه إياها. فكلّما ازدادت النفس تجرّداً وتشبّهاً بالمبادئ القصوى، إزدادت قوةً وتأثيراً فيما دونها.
فإذا صار مجرّدُ التصوّر سبباً لحدوث هذه التغيرات (طاعة البدن للنفس) في هيولى البدن، لأجل علاقة طبيعية وتعلّق جبلّي لها إليه، لكان ينبغي أن يؤثّر في هيولى العالم مثل هذا التأثير، لأجل اهتزاز علويٍّ للنفس، ومحبة إلهية لها، فتؤثّر نفسه في الأشياء»[٢].
ويدلّ على أنّ خوارق العادة رهن فعل النفس الإنسانية، ما ينقله تعالى من أفعال السحرة الواقعة بإذنه تعالى، وذلك في قوله عزّ من قائل: (فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ زَوْجِهِ وَ مَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَد إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ)[٣].
وهناك من الآيات ما هو أصرح منها في نسبة الخوارق إلى أصحاب النفوس القوية، كما ورد في أحوال سليمان النبي عندما طلب من الملأ إحضار عرش ملكة سبأ من اليمن إلى فلسطين قبل أن يأتوه مسلمين. فقال عفريت من الجن إنّه قادر على حمله والإتيان به قبل انفضاض مجلس سليمان، ولكن مَنْ كان عنده عِلْمٌ من الكتاب قال إنّه قادر على الإتيان به قبل أن يرتد طَرْفُ سُلَيْمانَ إليه، وبالفعل، بأسرع من لمح البصر، كان العرش ماثلاً أمامه.
[١] الإشارات والتنبيهات، مع شرح المحقق الطوسي ج ٣ ص ٣٩٧. وبعدها أخذ الماتن والشارح بيان قدرة النفس على الأمور الخارقة للعادة.
[٢] المبدأ والمعاد، ص ٣٥٥ ـ بتصرف.
[٣] سورة البقرة: الآية ١٠٢.