الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١٩٨
التكاليف ومخاطَباً بها، فغيره أولى بأن يكون محكوماً بها. وهذه الآيات تجري مجرى قول القائل: «إيّاك أَعني واسْمَعي يا جارة».
فالمراد من الآية المستدلّ بها هو حثّ المؤمنين على اجتناب الحضور في المجالس الّتي يخاض فيها في آيات الله سبحانه. فالنهي عن الخوض تكليفٌ عام يشترك فيه النبي وغيره، وكون الخطاب للنبي لا ينافي كون المقصود هو الأُمة. ويدلّ على ذلك قوله سبحانه في سورة النساء: (وَ قَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللهِ يُكْفَرُ بِهَا وَ يُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيث غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَ الْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً)[١].
فإنّ هذه الآية مدنية، والآية المستدلّ بها مكية، وإذا قورنت إحداهما بالأخرى يستنتج منه أنّ الحكم النازل سابقاً متوجه إلى المؤمنين، وأنّ الخطاب فيه وإن كان للنبي، إلاّ أنّ المقصود إنشاءُ حُكْم كلّيٍّ شامل لجميع المكلَّفين من غير فرق بين النبي وغيره. ومع ما ذكرناه، لا يكون في الآية دلالة على تحقق النسيان من النبي، لأنّها إنّما تدلّ لو كان الخطاب مختصاً بالنبي لا يتعداه.
٢ ـ قال سبحانه: (وَ لاَ تَقُولَنَّ لِشَيْء إنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللهُ وَ اذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَ قُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَداً)[٢].
المراد من النسيان الإستثناء، وهو قول «الاّ أن يشاء الله». والآية استدلالاً وجواباً ـ كسابقتها.
٣ ـ قال سبحانه: (سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنْسَى * إِلاَّ مَا شَاءَ اللهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَ مَا يَخْفَى)[٣].
ومعنى الآية إنّا سنجعلك قارئاً بإلهامِكَ القِراءة، فلا تنس ما تَقْرؤه.
[١] سورة النساء: الآية ١٤٠.
[٢] سورة الكهف: الآيتان ٢٣ و ٢٤.
[٣] سورة الأعلى: الآيتان ٦ و ٧.