الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١٩٩
استدلّت المخطئة بالإستثناء الوارد بعدها على إمكان النسيان، غير أنّهم غفلوا عن نكتة الإستثناء، وهي عين النكتة في الإستثناء الوارد في قوله تعالى: (وَ أَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَ الأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذ)[١].
إنّ قوله سبحانه: (عطاءً غيرَ مجذوذ)، يَدُلُّ على أنّ الخلود في الجنة لا يقطع ولا يُجَزّ، بل هو عطاءٌ موصول من الربّ، ما دامت الجنة باقية، ومع ذلك استثنى سبحانه الخلود بقوله: (إِلاَّ ما شاء). وليس ذلك لأنّ الخلود يُقطع، بل للإشارة إلى أنّ قدرة الله سبحانه بعد إدخالهم الجنة باقية بعدُ، فالله سبحانه ـ مع كونهم مخلَّدين في الجنة ـ قادر على إخراجهم منها.
وعلى ما ذكرنا يعلم وجه الإستثناء في الآية الّتي وقعت مورد الإستدلال، فإنّه يفيد بقاء القدرة الإلهية على إطلاقها، وأنّ عطية الله (جَعْل النبي قارئاً لا ينسى) لا تسلب القدرة عن الله سبحانه على إنسائه، بل هو عليه قادر متى شاء، وإن كان لا يشاء ذلك.
وبدراسة هذه الآيات الّتي قدمناها، تقف على تحليل كثير من الآيات الّتي نُسب فيها النسيان إلى غير النبي الأعظم من الأنبياء، مثل قوله سبحانه:
أ ـ (وَ لَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً)[٢].
ب ـ (فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا...)[٣] الوارد في موسى وفتاه.
ج ـ (...لاَ تُؤَاخِذْني بِمَا نَسِيتُ...)[٤] وهو قول موسى للخضر.
وغير ذلك من الآيات[٥].
[١] سورة هود: الآية ١٠٨.
[٢] سورة طه: الآية ١١٥.
[٣] سورة الكهف: الآية ٦١.
[٤] سورة الكهف: الآية ٧٣.
[٥] قد أجمل الأُستاذ ـ دام ظلّه ـ الكلام هنا في هذه الآيات، فنحن نستدرك البحث فيها بما يرفع الستار عن وجهها، ونجعله في ملحق خاص آخر الكتاب.