الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٩٨
لون آخر من التصوير الفني
هذه نماذج من التصوير الفني في القرآن الكريم وهناك لون آخر من التصوير يضفي على المعاني الذهنية والحالات المعنوية صوراً حسيّة. مثلاً:
١ ـ الصبح مشهدٌ مألوف متكرر، ولكنه في تعبير القرآن حيٌّ لم تشهده من قبل عينان، وأنَه (وَ الصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ)[١].
٢ ـ والليل آن من الزمان معهود، ولكنه في تعبير القرآن، حي جديد، (وَ اللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ)[٢]، وهو يطلب النهار في سباق جبّار (يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً)[٣].
٣ ـ والظلّ ظاهرة تُشهد وتُعرف، ولكنه في تعبير القرآن نَفْسٌ تَحُسُّ وتَتَصَرّف، (وَ ظِلّ مِنْ يَحْمُوم * لاَ بَارِد وَ لاَ كَرِيم)[٤].
٤ ـ والجدار بُنْيَةٌ جامدة كالجلمود، ولكنه في تعبير القرآن يحسّ ويريد: (فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ)[٥].
٥ ـ والطَّير أبنية حية، ولكنها مألوفة لا تلفت الإنسان، أمّا في تعبير القرآن فمشهد رائعٌ، يثير الجَنان: (أَوَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّات وَ يَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمَنُ)[٦].
٦ ـ والأرض والسماءُ والشَّمْسُ والقَمَرُ، والجبال والوديان، والدُور العامرة، والآثار الداثرة، والنبات والأشجار والأفنان، أمواتٌ عند الناس، لكنها في القرآن أحياء، أو مشاهد تخاطب الأحياء، فليس هناك جامد ولا ميت بين الجوامد والأشياء[٧].
[١] سورة التكوير: الآية ١٨.
[٢] سورة الفجر: الآية ٤.
[٣] سورة الأعراف: الآية ٥٤.
[٤] سورة الواقعة: الآيتان ٤٣ و ٤٤.
[٥] سورة الكهف: الآية ٧٧.
[٦] سور المُلك: الآية ١٩.
[٧] ما ذكرناه اقتبسناه من «التصوير الفني في القرآن»، لسيد قطب، ص ١٩٣ ـ ٢٠٣.