الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٥٣
على غيرهم. كيف، وإن الإتيان بمثل معجزته، يسجل للمعارض خلود الذكر وسموّ الشرف، بل لَسَعى أعداء الإسلام في نشره بين المعتنقين لدينه وغيرهم، لأنّهم يدون فيه بغيتهم.
قال المحقق الخوئي ـ دام ظله ـ: «إنّ هذه المعارضة لو كانت حاصلة لأعلنتها العرب في أنديتها، وشَهَرتها في مواسمها وأسواقها، وَلأَخذ منه أعداء الإسلام نشيداً يوقعونه في كل مجلس، وذكراً يرددونه في كل مناسبة، وعَلَّمَه السلف للخلف، وتحفّظوا عليه تحفّظ المدعي على حجّته، وكان ذلك أقرّ لعيونهم من الإحتفاظ بتاريخ السلف. كيف، وأشعار الجاهلية ملأت كتب التاريخ وجوامع الأدب، مع أنا لا نرى أثراً لهذه المعارضة»[١].
يقول الخطابي: «إنّ هذا السؤال ساقط، والأمر فيه خارج عمّا جرت به عادات الناس من التحدّث بالأُمور الّتي لها شأن، وللنفوس بها تعلّق، وكيف يجوز ذلك عليهم في مثل هذا الأمر الّذي قد انزعجت له القلوب، وسار ذكره بين الخافقين. ولو جاز ذلك في مثل هذا الشأن مع عِظَمِ خطره، وجلالة قدره، لجاز أن يقال إنّه خرج في ذلك العصر نبي آخر وأنبياء ذوو عدد، وتنزّلت عليهم كتب من السماء، وجاءوا بشرائع مخالفة لهذه الشريعة، وكتم الخبر فيها فلم يظهر، وهذا ممّا لا يحتمله عقل»[٢].
أقول: وممّا يدلّ على عدم وجود هذه المعارضة اللائقة بالذكر، ما ضبطه التاريخ من كلام مسيلمة الكذاب وغيره ممّن ادعوا النبوة وأرادوا أن يخدعوا بسطاء العقول، فجاءوا بجمل تافهة ساقطة، لا يقام لها وزن ولا قيمة، ما سيأتي عرضه وتحليله بعد هذا البحث.
على أنّ القرآن ما خصّ العرب الجاهلين بالتحدّي، بل تحدّى جميع الناس سالفهم وحاضرهم، وهناك مجموعة كثيرة من العرب لا يعتنقون دين الإسلام ويتبعون ثقافات حديثة، وتؤيدهم القُوَى الكبرى الكافرة. فلو كانت المكافحة
[١] البيان في تفسير القرآن، ص ٥٢.
[٢] بيان إعجاز القرآن، ص ٥٠.