الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٩٧
حاجة الإنسان إلى كل تشريع وتقنين، سواء في مجال الأخلاق أو الإجتماع أو السياسة والإدارة، أو الاقتصاد.
وإنّ نفس وجود تلك القوانين في جميع تلك الجوانب، معجزة كبرى لا تقوم بها الطاقة البشرية، واللجان الحقوقية، خصوصاً مع اتّصافها بمرونة خاصة، تجامع كل الحضارات والمجتمعات البدائية، والصناعية المتطورة.
ثم إنّه تظهر عظمة ذلك التقنين إذا وقفنا على أنّ دعوة الإسلام بزغت بين أقوام متأخرين في المجالات الخلقية والثقافية، ولم يكن لهم منها نصيب سوى الإغارة والنهب والقتل والتفاخر. ويشهد لذلك صفحات تاريخ الجزيرة العربية، ولنكتف من ذلك بشاهد واحد يكشف لنا واقعية الحياة في ذلك العصر.
روى أهل السير والتاريخ أنّ رجلاً من «زبيد» قدم مكة ببضاعة، فاشتراها منه العاص بن وائل، فحبس عنه حقّه، فاستعدى عليه الزبيدي الأحلاف: عبد الدار، ومخزوماً، وجمحاً، وسهماً، وعدي بن كعب، فأبوا أن يعينوا على العاص بن وائل وانتهروه، فلما رأى الزبيدي الشرّ، أوفى على أبي قبيس عند طلوع الشمس ـ وقريش في أنديتهم حول الكعبة ـ فنادى بأعلى صوته:
يا آل فهر لمظلوم بضاعته * ببطن مكة نائي الدار والنَّفَرِ
ومُحْرم أشعث لم يَقْضِ عَمْرته * يا للرجال وبين الحِجْر والحَجَرِ
إِنَّ الحرامَ لمن تَمَّتْ كرامتُه * ولا حرام لثوبِ الفاجر الغَدِرِ
فقام في ذلك الزبير بن عبد المطلب، وقال: ما لهذا مترك.
فاجتمعت «هاشم» و «زهرة» و «تميم بن مرة»، في دار «عبد الله بن جدعان» فصنع لهم طعاماً، وتحالفوا في ذي القعدة الحرام، فتعاقدوا وتعاهدوا بالله ليكوننّ يداً واحدة مع المظلوم على الظالم حتى يؤدَّى إليه حقُّه، أبداً.
فسمَّت قريش ذلك الحلف، حلف الفُضول، وقالوا: «لقد دخل هؤلاء في فضل من الأمر».
ثم مشوا إلى العاص بن وائل، فانتزعوا منه سلعة الزبيدي، ودفعوها