الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٤٦١
وأرسى أركان الإحسان والعدالة الاجتماعية، وكافة أُصول الشخصية الإنسانية الفاضلة، وحذّر من الفواحش والبغي والعدوان، فقال: (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الإِحْسَانِ وَ إِيتَاءِ ذِي الْقُرْبى وَ يَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ الْبَغْىِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)[١].
وأين هذا من أقبح الممارسات الأخلاقية الرائجة، ومفاهيم الثأر والعصبية والإنتقام المحقونة في نفوسهم، والّتي خلّفت حروباً طاحنة، بين القبائل العربية، منها حرب الأوْس والخَزْرَج الّتي دامت قرابة مائة وعشرين سنة.
يقول ابن خلدون: «العرب الجاهليون، بطبيعة التوحش الّذي فيهم، أهل انتهاب وعيث، ينتهبون ما قدروا عليه، وكان ذلك عندهم ملذوذاً.
فطبيعتهم انتهاب ما في أيدي الناس، وأنّ رزقهم في ظلال رماحهم، وليس عندهم في أخذ أموال الناس حدٌّ ينتهون إليه، بل كلما امتدت أعينهم إلى مال أو متاع أو ماعون، انتهبوه»[٢].
وفي الحقل الاقتصادي، جاء بأُصول ومفاهيم بنى عليها بنياناً محكماً من التشريعات الاقتصادية، في مختلف أبواب المعاملات.
فمن ذلك أنّه نادى بحرمة الرِّبا الّذي كان الشغل الشاغل في الجزيرة العربية، حتى أنّ ثقيف طائف لما أسلموا طلبوا من الرَّسول أنْ يكتب لهم كتاباً يُحلّ لهم فيه الربا والزّنا، فلما جاء مبعوثهم بكتابهم قال له رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «إِقرأ». فلما انتهى إلى الربا، قال: ضع يدي عليها في الكتاب، فوضع يده، فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَ ذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا)[٣] ثم محاها. فلما بلغ القارئ، الزنا، وضع يده عليها، وقال: (وَ لاَ تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَ سَاءَ سَبِيلاً)[٤] ثم محاها[٥].
[١] سورة النحل: الآية ٩٠.
[٢] مقدمة ابن خلدون، ص ١٤٩.
[٣] سورة البقرة: الآية ٢٧٨.
[٤] سورة الإسراء: الآية ٣٢.
[٥] أُسد الغابة، ج ١، ص ٢١٦ في ترجمة تميم بن جراشة الثقفي. والسيرة النبوية لابن هشام. ج ١، ص ٥٤٠، وبينهما اختلاف.