الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٤٧٨
على عموم رسالته، لكل من بلغته، فإنّه يقول: (وَ أُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَ مَنْ بَلَغَ)[١].
وإمّا حلاً، فَعَيْنُ ما تَقَدَّم في سابقه، من أنّ طبيعة الدعوة، ربما تقتضي توجيه الكلام إلى طائفة خاصة، وإن كانت الدعوة عالميةً.
شبهة ثالثة : وربما يستدلّ بقوله سبحانه: ( وَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُول إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشَاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)[٢]، على تحديد رسالته، بتوهّم أنّ معنى الآية أن كل رسول يوافق لسانُه لسانَ من أُرسل إليهم.
وأنت خبيرٌ بأنّه تفسير خاطئٌ، فمعنى الآية هو موافقةُ لغةِ الرسول لسانَ قومه، لا اتحاد لغته مع لسان كل من أُرسل إليهم، فمن الممكن أن يكون المرسل إليهم أوسع من قوم الرسول، فهذا إبراهيم دعا عرب الحجاز إلى الحج وهو ليس منهم. وهذا الكليم دعا فرعون إلى الإيمان، وهو عبري والمُرسَل إليه قِبْطيٌ.
شبهة رابعة: وربما يستدل أيضاً، بقوله تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ الَّذِينَ هَادُوا وَ النَّصَارى وَ الصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَ الْيَوْمِ الآخِرِ وَ عَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لاَ هُمْ يَحْزَنُونَ)[٣]، على تحديد رسالته.
وحاصل الاستدلال هو أنّ المتبادر من الآية هو نجاة أصحاب الشرائع السابقة حتى بعد بعثة الرسول الأكرم، إذا كانوا مؤمنين بالله واليوم الآخر وعملوا صالحاً. فهذه الآية تعطي الضوء الأخضر لنجاة اليهود والنصارى والصابئين إذا كانوا ملتزمين بهذه الشروط، وإن لم يعتنقوا رسالة الرسول الأعظم، أو لم يعملوا بأحكامه وتشريعاته. وهذا لا يجتمع مع القول بأنّ رسالته عالمية يجب على كلّ الناس اعتناقها.
[١] سورة الأنعام: الآية ١٩.
[٢] سورة إبراهيم: الآية ٤.
[٣] سورة البقرة: الآية ٦٢. ولاحظ المائدة: الآية ٦٩.