الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٥٢
المبادئ والمقدمات من جانبه سبحانه، لصار فعله فارغا عن الغاية، وناقَضَ حكمته الّتي تستلزم التحرز عن العبث. وذلك كبيان تكاليف الإنسان، وإعطائه القدرة على إمتثالها.
ومن هذا الباب بعث الرسل لتبيين طريق السعادة، وتيسير سلوكها. وقد عرفت في الأدلة السابقة، أن الإِنسان أقصر من أن ينال المعارف الحقة، أو يهتدي إلى طريق السعادة في الحياة بالإِعتماد على عقله، والإِستغناء عن التعليم السماوي. ووجوب[١]اللطف بهذا المعنى، ليس موضع مناقشة لدى القائلين بحكمته سبحانه، وتنزيهه عن الفعل العبثي الّذي اتفق عليه العقل والنقل [٢]. وإنما الكلام في «اللطف المقرِّب»، واليك البيان فيه.
ب: اللُّطف المقرِّب
اللطف المقرب عبارة عن القيام بما يكون محصلاً لغرض التكليف بحيث لولاه لما حصل الغرض منه وذلك كالوعد، والوعيد، والترغيب والترهيب، الّتي تستتبع رغبة العبد إلى العمل، وبعده عن المعصية[٣].
وهذا النوع من اللطف ليس دخيلاً في تمكين العبد من الطاعة، بل هو
[١] سيوافيك معنى الوجوب على الله سبحانه.
[٢] لاحظ سورة الذاريات: الآية ٥٦، وسورة المؤمنون: الآية ١١٥.
[٣] عرّف اللطف المقرب بأنه هيئة مقربة إلى الطاعة ومبعّدة عن المعصية من دون أن يكون له حظ في التمكين وحصول القدرة، ولا يبلغ حد الإلجاء.
فخرج بالقيد الأول (لم يكن له حظ.) اللطف المحصل، فإن له دخالة في تمكين المكلف من الفعل، بحيث لولاه لانتفت القدرة.
وخرج بالقيد الثاني (لا يبلغ حد الإلجاء) الإكراه والإلزام على الطاعة والاجتناب عن المعصية، فإن ذلك ينافي التكليف الّذي يتطلب الحرية الاختيار في المكلف (لاحظ كشف المراد، ص ٢٠١، ط صيدا).
وقال القاضي عبد الجبار: اللطف هو كل ما يختار عنده المرء الواجب ويتجنب القبيح، أو ما يكون عنده أقرب إما إلى اختيار (الواجب) أو ترك القبيح. (شرح الاصول الخمسة، ص ٥١٩).