الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٤٦٤
فهذا «نهرو» بلغ من التجاوب مع قومه إلى حدّ أنّه كان يشترك معهم في مراسم عبادة البقر، والتبرّك بفضلاتها، لكونه مطلوباً عند الشعب، ومخالفةُ الرأي العام مضرّة بشخصيته وأهدافه.
فالسياسيون لا يتورعون في تحقيق أهدافهم، عن استغلال جهل شعوبهم، وأمّا الأنبياء فقد بعثوا لمكافحة الجهل، سواء أكان جهل الناس مفيداً لأحوالهم الشخصية أم نافعاً، ونذكر لذلك نموذجاً من سيرة النبي الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ :
عندما توفي ولده إبراهيم، غشي الشمس كسوف، فتلقاه الناس أمراً معجزاً، وأنّ المصيبة تركت أثرها في الأرض والسماء، وانكسفت الشمس لموت ولده. فلو كان النبي رجلاً مادياً طالباً للمنصب والمقام، لأصفق مع شعبه في هذه العقيدة، وتركهم عليها، ولكنه رجل إلهي واقعي، فصعد المنبر، وأماط الستر عن وجه الحقيقة، فقال:
«أَيُّها الناس، إنّ الشمس والقمر آيتان من آيات الله، يجريان بأمره، مطيعان له، لا ينكسفان لموت أحد، ولا لحياته، فإذا انكسفا أو أحدهما، صلُّوا».
ثم نزل من المنبر، فصلّى بالناس الكسوف، فلما سلّم، قال: «يا عليُّ، قمّ فَجَهِّز اِبني»[١].
ومن دلائل كون النبي رجلاً واقعياً، يطلب الحقائق، ولا يستعمل في أساليب دعوته الخُدْعة، هو أنّ نفراً من قريش طلبوا من النبي أن يعبد آلهتهم، حتى يعبدوا إلهه، فقام النبي في وجه المعترضين بصراحة، وقال: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَ لاَ أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَ لاَ أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَ لاَ أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِي دِينِ)[٢].
[١] المحاسن، للبرقي، ص ٣١٣. وبحار الأنوار، ج ٢٢، ص ١٥٦. والسيرة الحلبية، ج ٣، ص ٣٤٨.
[٢] سورة الكافرون.