الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٥٢٤
البرهنة، إذ لم تزل الأُمّة الإسلامية، في أعصارها الغابرة والحاضرة، أمام موضوعات مستجدة وطارئة، فيجب عليها عند ذلك أن تختار سلوك أحد السبل التالية:
ـ إمّا بذل الوُسْع في استنباط أحكامها من الكتاب والسُّنّة والعقل.
ـ أو اتّباع القوانين الوضعية البشرية من غير نظر إلى مقاصد الشريعة.
ـ أو الوقوف والسكوت من غير إفتاء.
ولا شك أن المتعين هو الأول.
وقد كان الاجتهاد مفتوحاً بصورته البسيطة بين الصحابة فالتابعين، كما أنّه لم يزل مفتوحاً على مصراعيه بين أصحاب الأئمة الاثني عشر، وهم الذين قالوا لشيعتهم: «إنّما علينا إلقاء الأُصول وعليكم التفريع»[١].
وإنّ من مواهب الله تعالى، العظيمة، على الأُمّة الإسلامية، تشريع الاجتهاد، وفسح المجال لعلماء الأُمّة لأن يناقشوا أفكارهم، فلم تقم للإسلام دعامة، ولا حفظ كيانه ونظامه إلاّ على ضوء هذه البحوث والمناقشات العلمية وردّ صاحب فكر على ذي فكر آخر، وقد حكى شيخنا العلامة المتضلع، شيخ الشريعة الأصفهاني ـ رحمه الله ـ عن بعض الأعلام، قوله: «إنّ عدم محاباة العلماء، بعضهم لبعض، من أعظم مزايا هذه الأُمّة، الّتي أَعْظَمَ الله بها عليهم النعمة، حيث حفظهم عن وصمة محاباة أهل الكتابين، المؤدية إلى تحريف ما فيهما، واندراس تينك الملتين، فلم يتركوا لقائل قولاً فيه أدنى دخل إلاّ بيّنوه، ولفاعل فيه اعوجاج إلاّ قوّموه، حيث اتّضحت الآراء وانعدمت الأهواء، ودامت الشريعة البيضاء، على مِلء الآفاق بأضوائها، مأمونة عن التحريف، ومصونة عن التصحيف»[٢].
وقد جَنَت بعض الحكومات الإسلامية، حيث أقفلت باب الاجتهاد، في
[١] الوسائل، ج ١٨، كتاب القضاء، الباب السادس من أبواب صفات القاضي، الحديث ٥٢.
[٢] إبانة المختار، ص ١.