الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٤٨٨
تشكيك ضئيل
إنّ هنا تشكيكاً اختلقته بعض الطوائف[١] الخارجة عن الإسلام، العميلة لأعدائه، فقالت إنّ المراد من الخاتم في قوله، عزّ من قائل: (خاتَمُ النَّبيينَ)، الحِلْية الّتي يزيّن بها الإصبع. والمراد أنّ النبي الأكرم زينة النبيين، كما أنّ الخاتم زينة يد الإنسان، فهو بين تلك العصابة، كالخاتم في يد لابسه.
وهذه شبهة واهية للغاية، نجمت ـ إنّ لم تكن متعمدة ـ من الجهل باللغة العربية، وذلك لوجوه:
أولاً ـ إنّه لم يعهد استعارة الخاتم في اللغة العربية، للزينة، فلا يقال إنّه خاتم القول، أي زينتهم وحليتهم، فكيف يستعيره القرآن في هذا المعنى، وهو في قمة البلاغة؟!
وثانياً ـ لو كان الهدف تشبيه النبي بالخاتم في كونه حلية، لكان المناسب أن يشبهه بالتاج والإكليل، إذْ هما أبلغ في بيان المقصود، أعني: الزينة.
وثالثاً ـ إنّ الخاتم ليس له إلاّ أصل واحد، وهو ما يختم به، ولو استعمل في حلية الإصبع، فذلك من باب إطلاق الكلّي على الفرد، لأنّ الدارج في عهد الرسالة إنهاء الكتاب بالخاتم، فكانت خواتمهم أختامهم، لا أنّه وُضع لحلية الإصبع وضعاً على حدة.
ويدلّ على ذلك ما رواه ابن سعد في طبقاته، من أنّ رسول الله أرسل الرسل إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام وكتب إليهم كتباً، فقيل يا رسول الله: إنّ الملوك لا يقرأون كتاباً إلاّ مختوماً، فاتّخذ رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يومئذ، خاتماً من فضة، فَصُّهُ منه[٢]نقشه ثلاثة أسطر:
«محمد»، «رسول»، «الله»، وختم به الكتب[٣].
[١] كالبهائية والقاديانيّة.
[٢] كذا النسخة، والأَوْلى: «منها» ولعل التذكير باعتبار رجوع الضمير إلى الخاتم.
[٣] الطبقات الكبرى، ج ١، ص ٢٤٨. ولاحظ مقدمة ابن خلدون ج ١، ص ٢٢٠، تجد فيه بسطاً في الكلام.