الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٨٨
الجهة الأولى لم يجرؤا على إنكار ما هو خارج عن إطار أدوات المعرفة المادية ـ كالمعاجز ـ لأنّهم مسلمون، ومن الجهة الثانية، لم يتجرؤا على التصريح بوجود الملائكة والجن، وبخرق المعاجز للسنن الطبيعية والأسباب المادية، تحرزاً من رمي الماديين إيّاهم بالخرافة، والإيمان بما لا تؤيّده التجربة ولا يثبته الحسّ.
ولأجل ذلك سلكوا طريقاً وسطاً، وهو تأويل بعض ما جاء في مجال الغيب، خصوصاً المعاجز والكرامات، حتى يستريحوا بذلك من هجمة الماديين، ويرضوا به طائفة المتدينين.
ومّمن سلك هذا الطريق الشيخ محمد عبده[١] في مناره، والطنطاوي[٢] في جواهره، وتلامذة منهجهما. فمن وقف على كلا التفسيرين في المواضع الّتي يحُدّث القرآن فيها عن معاجز الأنبياء وخوارق العادات، يقف على أنّ الرجلين يسعيان بكل حول وقوة إلى تصوير الحوادث الإعجازية، وكأنّها جارية على المجاري الطبيعية، غيرُ مخالفة أصول الحسّ والتجربة[٣].
بل ربما نرى أنّ بعض مُقْتَفي منهجهما ينكرون أنْ يكون للنبي الأعظم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ معجزة غير القرآن الكريم، وقد تبعوا في نفي معاجزه، قساوسة النصارى الذين يحالون إنكار معاجز النبي الكريم ليتسنى لهم بذلك تفضيل سيدنا المسيح ـ عليه السَّلام ـ أولاً، وإنكار نبوته لكونه فاقداً للمعاجز، ثانياً[٤].
[١] توفي سنة ١٣٢٣ هـ ق.
[٢] توفي سنة ١٣٥٨ هـ ق.
[٣] لاحظ مثلاً ما جاء في المنار، ج ١ ص ٣٢٢، تفسير قوله تعالى: (ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)(سورة البقرة: الآية ٥٦).
وفيه أيضاً، ج ١ ص ٣٤٣ ـ ٣٤٤، تفسير قوله تعالى: (وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ) (سورة البقرة: الآية ٦٥).
وفيه أيضاً، ج ١، ص ٣٥٠ ـ ٣٥١، تفسير قوله تعالى: (فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللهُ الْمَوْتَى....) (سورة البقرة: الآية ٧٣).
وغير ذلك من الموارد.
[٤] راجع للوقوف على كلمات القساوسة في هذا المجال، كتاب «أنيس الأعلام»، ج ٥، ص ٣٥١.