الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٥٨
ورأوا أنّ الهزيمة في حلبة السباق معقودة بنواصيهم، فما وجدوا مخلصاً لتعمية من يفد على مكة في أيام الحج من عرب الجزيرة إلاّ بتفسيره بشيء ينطلي على طباع السُّفهاء وأذهان السذج من الناس، وهو أنّه سحر والجائي به ساحر، بحجة الإشتراك في الأثر.
وعلى ضوء ذلك تعود كلُّ الشرائع السماوية سحراً والأنبياء سحرة، بحجة أنّهم كانوا يفرّقون بشرائعهم بين أفراد الامة الواحدة[١].
وكيف يكون القرآن سحراً، والسحر لا يبقى بعد موت الساحر، ولا يؤثّر في أقوياء النفوس، وها هو القرآن قد مَرَّ عليه حتى اليوم أربعة عشر قرناً، ولما يزل غضّاً طرياً كما كان، لم يتضاءل نوره وأثره بمرور الزمان، وتوالي الأعقاب في الأحقاب، كما خضع له أعاظم أهل الفكر والتعقل من البشر.
٣ ـ دعوة القصاص لسرد الأساطير
وقد عمد رؤساء قريش، لإحباط تأثير القرآن الكريم ـ بعد أن رأوا أنّ الناس يدركون بفراستهم وفطنتهم أنّ للقرآن جاذبية غريبة لم يسبقه كلام في الحلاوة، ولا حديث في العذوبة، ولا عبارات في العمق، يتقبّله كل قلب واع، وتسكن إليه كل نفس مستعدة ـ عمدوا إلى تخطيط تدبير آخر، ظنّاً منهم بأنّ تنفيذه سيصرف الناس عنه، ألا وهو معارضة القرآن الكريم، بدعوة النضر بن الحارث ليسرد للناس أخبار ملوك الفرس وقصصهم وحكايتهم وأساطيرهم، وما طلبوا منه القيام بهذا العمل إلاّ ليلهي به الناس عن الإصغاء إلى القرآن الكريم.
فقام بهذا العمل ولكن كانت خطتهم، خطة حمقاء إلى درجة أنّها لم تدم إلاّ عدّة أيام، لأنّ قريشاً سئمت من أحاديث النضر، وتفرّقت عنه[٢].
* * *
[١] قد ورد تفسير القرآن بالسحر، والداعي بالساحر، في عدّة آيات منها في الأول الصافات: الآية ١٥، الأحقاف: الآية ٧، سبأ: الآية ٤٣. وفي الثاني: يونس: الآية ٣، ص: الآية ٤.
[٢] لاحظ السيرة النبوية، ج ١، ص ٣٠٠و٣٥٨.