الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٤٥٨
الرَّاحِمينَ)[١]»[٢].
والعجب أنّ الذين أحاطوا ببيته ليلة الهجرة، وهمُّوا باغتياله، وإراقة دمه، كانت أموالهم بين يديه، وأمانةً عنده، فلأجل ذلك لما همّ بالخروج من البيت والهجرة إلى المدينة، أمر عليّاً أن يقيم صارخاً، يهتف بالأبطح، غدوة وعشياً: «من كان له قِبَلَ محمد أَمانة أو وديعة، فليأت، فَلْنُؤَدِّ إِليه أَمانته»!.
فأقام عليٌّ بمكة ثلاث ليال وأيامها حتى أدّى عن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ الودائع الّتي كانت عنده للناس[٣].
ومن ظريف أخلاقه عفوه عن العدو الغادر، الّذي أراد قتله، بمجرد التجائه إليه:
فقد نقل أصحاب المغازي أنّه في إحدى الغزوات، ذهب النبي الأكرم لحاجته، فأصابه المطر، فبلّ ثوبه، فنزعه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ونشره ليجف، فألقاه على شجرة، ثم اضطجع تحتها. فرآه العدو وحيداً بعيداً عن أصحابه، فاختار أحدهم سيفاً صارماً، ثم أقبل حتى قام على رأس النبي بالسيف المشهور، فقال: «يا محمد، مَن يمنعك مني اليوم؟».
قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «الله».
عندئذ وقع السيف من يده فأخذه الرسول الأكرم وقام به على رأسه فقال: «من يمنعك مني اليوم؟».
قال: «لا أحد». ثم قال: «فأنا أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمداً رسول الله، والله لا أُكْثِرُ عليك جمعاً أبداً».
فأعطاه رسول الله سيفه، ثم أدبر الرجل، ثم أقبل بوجهه، فقال: «أما والله، لأنت خير مني».
[١] سورة يوسف: الآية ٩٢.
[٢] بحار الأنوار، ج ٢١، ص ١٣٢، وغيره من المصادر المتوفرة.
[٣] سيرة ابن هشام، ج ١، ص ٤٩٣. البحار، ج ١٩، ص ٦٢.