الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٤٣٥
ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَ لاَ تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَ أَوْفُوا الْكَيْلَ وَ الْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَ إِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَ لَوْ كَانَ ذَا قُرْبى وَ بِعَهْدِ اللهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَ أَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيًما فَاتَّبِعُوهُ وَ لاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)[١].
هذه نماذج من الأُصول الأخلاقية الواردة في القرآن الكريم، وللتوسع مجال ليس هنا موضعه.
نعم، نرى أنّ التوراة أَمَرَتْ بني إسرائيل بالحكم بالعدل لأقربائهم، ونَهَتْهُم عن الحقد على أبناء شعبهم، وعن السعي بالوشاية وشهادة الزور على أقربائهم وأن يَغْدُرَ أحدُهم بصاحبه، ولكنها شَوَّهت جمال هذه الأُصول الأخلاقية، بتخصيص تعاليمها ببني إسرائيل، وبتخصيصها بالقريب والشعب والصاحب. وهذا بخلاف القرآن، فإنّه يوجّه خطاباته الأخلاقية إلى الناس أجمعين، من دون فرق بين قوم وقوم، وعنصر وآخر.
وأمّا الأناجيل الرائجة، فقد أفرطت في الدعوة إلى التصوّف البارد، حتى نهت عن ردع الظالمين بالانتصاف من الظالم، وقطع مادة الفساد، بل قالت: «لاتقاوموا الشر، بل من لطمك على خدّك الأيْمَن، فحوّل له الآخر أيضاً * ومن أراد أن يُخاصِمَك ويأخُذَ ثَوْبَكَ، فاترك له الرداء أيضاً!!»[٢].
إنّ للأخلاق القرآنية صبغة خاصة وميزة فريدة، فلا هي أخلاق يونانية تجعل الغاية من التزين بالأخلاق هي النفع المادي العائد على الإنسان، كالدعوة إلى إكرام الجار، حتى لا يسرق متاعاً عند غيابك، أو يردع الطاغية الظالم عنها. ولا هو أخلاق روحانية بحتة، لا ترى إلاّ ترقية الروح وإسعادَها، وتنسى أنّ البشر مخلوق ممزوج من مادة ومعنى، وجسم وروح، ولا تتحقق السعادة إلاّ
[١] سورة الأنعام: الآيات ١٥١ ـ ١٥٣.
[٢] لاحظ العهد الجديد، إنجيل متى، الأصحاح الخامس، الجملتان ٣٩ و ٤٠، ص ٩، ط دار الكتاب المقدس.