الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٨٣
الجهة الرابعة
هل الإعجاز يضعضع برهان النظم؟
إنّ برهان النَّظم من أوضح الأدلة على أنّ العالم مخلوق لصانع عالم قادر. حيث إنّ النظام الدقيق السائد على كل ظاهرة وجزء من ظواهر الكون وأجزائه كاشف عن دخالة قدرة كبرى وعلم عظيم في تحققه وتكوّنه. هذا من جانب.
ومن جانب آخر، إنّ المعجزات ـ كما تقدّم ـ خارقة للعادة والسنن السائدة في هذا النظام، فهي تعدّ استثناء فيه ونوع مخالفة له. فالوليد الإنساني ـ مثلاً ـ يتكوّن بعد التقاء نطفة الرجل وبويضة المرأة، فتتشكل منهما الخلية الإنسانية، ثم تمرّ بعد ذلك بمراحل التفاعل والتكامل، ليخرج بعدها من بطن الأم موجوداً سويّاً متكاملاً.
والقول بأنّ المسيح ـ عليه السَّلام ـ خرق لذاك النظام، بل بمجرد نفخ الَملَك في رحم مريم ـ عليها السَّلام ـ ولد بلا سيادة هذا النظام، وهو كاشف عن عدم كليته واطراده. أفبعد ذلك يمكن أن يستدلّ ببرهان النظم على وجود الصانع؟.
وبعبارة ثانية: إنّ النظم السائد على العالم كاشف عن دخالة المحاسبة والتقدير في تكوّن كل شيء إنساناً كان أو حيواناً، أرضياً كان أو أثيرياً. ولكن خلق الثعبان فجأة من الخشب اليابس، وخروج الناقة من الجبل الصخري الأصم، وما شابه ذلك، ينفي وجود المحاسبة في تكوّن تلك الظواهر.