الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٧٢
قال سبحانه: (وَ اتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَ لَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ)[١].
فقد جاء فيها أحد عشر قافاً، لو نثرت هذه القافات في كلام أبسط من هذا، لظهر عليه الثقل، ولكنها جاءت في هذه الآية من غير أن تحدث قلقاً واضطراباً. وإنّما حصل هذا، لكثرة الباءات واللامات في الآية، فإنّ الباء مخرجها الشفة، فهي أخفّ الحروف، وتليها اللام في الخفة، فإنّ مخرجها اللسان. وقد بلغت عدّة الباء أحد عشر، واللام خمس عشر، فأوجب كثرة دوران هذين الحرفين، تلطيفاً في الثقل الّذي توجبه القاف في كيان الآية.
ومثل ذلك، قوله سبحانه: (لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَ نَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَ قَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقّ وَ نَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقَ)[٢].
فقد اجتمعت فيها عشر قافات، وتكررت فيها اللام أحد عشر مرة، فكسرت حدّة الثقل في القاف، فترى ماءَ الحُسْن يترقرق على محياها، والملاحة تقطر من جبينها.
هذه هي الدعامة الأولى للإعجاز، وليست هي سبباً تامّاً له. ولأجل ذلك ربما يوجد في كلام البشر ما هو مشتمل على هذه الدعامة بصورة رفيعة، مع أنّه ليس بكلام معجز، لإمكان مقابلته والإتيان بمثله، لمن تبحّر في تلك الصنعة، ولأجل ذلك تعلو عليه سيماء الصنع البشري، وما ذلك إلاّ لأنّ الإعجاز البياني يبتني على الدعائم الأربع مجتمعة، وليس ذاك الكلام مستجمعاً لها ليكون معجزاً فإنّه يفقد الأسلوب القرآني، أعني الأسلوب الّذي لا يشبه أُسلوب المحاورة ولا أسلوب الخطابة ولا الشعر، كما سيوافيك شرحه. وإليك من ذلك نموذجاً:
إنّ أفصح كلام الإمام علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ الّذي أصفقت
[١] سورة المائدة: الآية ٢٧.
[٢] سورة آل عمران: الآية ١٨١.