الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٦٥
ولأجل ذلك كان على القوم الذين جعلوا الفصاحة والبلاغة ركنين للإعجاز، وملاكين له، إضافة قيد آخر، وهو كون المعاني والمضامين عالية وسامية، تسرح فيها النفوس، وتغوص فيها العقول.
ومن هنا نرى أنّ بعض أساتذة هذا الفن المعاصرين، عرفوا البلاغة بشكل آخر، قالوا: هي تأدية المعنى الجليل واضحاً بعبارة صحيحة فصيحة، مع ملائمة كل كلام للموطن الّذي يقال فيه، والأشخاص الذين يخاطبون[١].
فترى أنّه أُضيف في التعريف وراء ملائمة كل كلام للموطن (مطابقة الكلام لمقتضى الحال)، كون المعنى جليلاً.
وسيوافيك أنّ هذا المقدار من التعريف أيضاً غير واف للرقي بالكلام إلى حدّ الإعجاز، بل يحتاج إلى دعامة أخرى وهي بداعة الأسلوب ورقيّه، كما سيوافيك.
نكتة مُهمّة
إنّ ها هنا نكتة تلقي الضوء على سبب حصر فصاحة القُرآن ـ كما سيأتي ـ في خلوه عن تنافر الحروف والكلمات، وتَرْكنا البحث عن كل ما ذكروه في فصاحة المفرد والكلام من الشرائط المتعددة، فهل هذا يعني إنكار دخالة غيره في الفصاحة، أو له معنى آخر؟.
والجواب: إنّ كونَ الكلمةِ متلائمةَ الحروف في فصاحة المفرد، وكونَ الكلام متلائمَ الكلمات في فصاحة الجملة، له القسط الأوفر في تحقق الفصاحة، لأنّ الفصاحة تعتمد على مقاطع الحروف والكلمات أكثر من كل شيء. وأمّا غير ذلك ممّا ذكروه في تعريفها، فكأنّها معدّات لخروج الكلام عذباً حسناً، بهيّاً نَظِراً، له وقع في القلوب. ولأجل ذلك ركزنا على حديث تلاؤم الحروف والكلمات، وخلوهما عن التنافر، هذا.
[١] البلاغة الواضحة، ص ٨.