الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٤٦٣
ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان يعامل عدوَّه بالعدل والرأفة، ولم يكن من الذين تحجب العداوة بصائرهم، ويُعمي الانتصار أعْيُنَهم عن رعاية الحق والعدل.
وبإمكاننا أن نلمس ذلك في توجيهاته إلى أُمراء السرايا، فإنّه كان إذا أراد أن يبعث سرية، دعاهم فأجلسهم بين يديه، وقال: «سيروا باسم الله، وبالله، وفي سبيل الله، وعلى مِلَّة رسول الله، لا تَغُلُّوا[١]، ولا تُمَثِّلوا، ولا تغدُروا، ولا تقتلوا شيخاً فانياً، ولا صبياً، ولا امرأة، ولا تقطعوا شجرة إلاّ أن تضطروا إليها، وأيّما رجل مِنْ أدنى المسلمين أو أفضلهم نظر إلى أحد من المشركين فهو جارٌ، حتى يسمع كلام الله، فإن تَبِعَكُم، فأخوكم بالدين، وإن أبى فأبلغوه مَأَْمَنَهُ، واستعينوا بالله».
وفي رواية أنّ النبي كان إذا بعث أميراً له على سرية، أمره بتقوى الله عز وجل في خاصّة نفسه، ثم في أصحابه عامة، ثم يقول: أُغزوا باسم الله، وفي سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، لا تغدروا، ولا تَغُلّوا، ولا تُمَثِّلوا، ولا تقتلوا وليداً ولا مُتَبَتِّلاً في شاهق، ولا تحرقوا النخل ولا تغرقوه بالماء، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تحرقوا زرعاً لأنّكم لا تدرون لعلّكم تحتاجون إليه. وإذا لقيتم عدواً للمسلمين فادعوهم إلى إحدى ثلاث، فإن هم أجابوكم إليها فاقبلوا منهم وكفّوا عنهم ...»[٢].
ولقد كان النبي الأكرم يتحرز عن التذرع بوسائل غير واقعية، حتى لو كانت الوسيلة مفيدة ونافعة لأهدافه الشخصية، وشخصيته الاجتماعية، بل كان يناهضها، ويبطلها، ليستقيم الناس على جادة الواقع والحق.
فنحن نرى أنّ السياسيين المتصدرين لكراسي الرئاسة، يتجاوبون مع عقائد الناس وإن كانت مخالفة لعقيدتهم، وذلك للتحفظ على مناصبهم وعروشهم.
[١] من الغَلّ، وهو الخيانة والغش والحقد.
[٢] وسائل الشيعة، ج ١١، كتاب الجهاد، الباب ١٥ من أبواب جهاد العدو، الحديثين ٢ و٣. وقد جاءت نماذج من هذه التعاليم في تاريخ اليعقوبي، ج ٢، ص ٥٩. و«الأموال» لأبي عبيد، ص ٢١٢.