الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١٥
وقد عزب عن المسكين أن ما يدّعيه «هيجل» من الجمع بين النقيضين لا يمت إلى النقيضين المبحوث عنهما في المنطق الشكلي، بصلة. وإنّما هو عبارة عن العناصر المتضادة في الطبيعة الّتي يحصل من تفاعلها شيء ثالث، ولو أردنا أن نعبر عنه باصطلاح صحيح، فيجب أن نقول: يريد المتضادين في مصطلح الفلسفة، لا النقيضين، ولا الضدين في مصطلح المنطق.
ثم نسأل الأُستاذ، إذا كانت أَبده القضايا، أعني امتناع اجتماع النقيضين، واقعة في إطار الشك والترديد، بل الردّ والإنكار، فأنّى له أن يثبت قضية يقينية طاردة للشك واليقين، إذ المفروض عنده أنّ النقيضين يجتمعان، وأنّه لا مانع من أن تهدف قضية «قرأ أرسطو على أفلاطون» ونقيضها «لم يقرأ أرسطو على أفلاطون».
وأسوأ من ذلك قوله الآخر، مندداً بعلم الكلام الّذي نرى جذوره في القرآن والسنة، ثم العقل: «أما علم التوحيد فبرهان لمن يعتقد، لا لمن لا يعتقد، برهان لصاحب الدين، لا لمخالفه، ولهذا لم نر في التاريخ أن علم الكلام كان سببا في إيمان من لم يؤمن، أو إسلام من لم يسلم إلا نادرا، وإنّما كان سبباً في ايمان الكثير وإسلام الجم الغفير، الدعوة من طريق القلب لا من طريق المنطق» [١]
نقول: إذا لم يكن علم الكلام سببا لإيمان من لم يؤمن، فما معنى هذه البراهين الّتي يسوقها القرآن حول دحض الشرك ودعم التوحيد، وإذا كان العقل غير مفيد في الهداية، بل المفيد هو الكشف والشهود، الّذي يعبر عنه بطريق القلب، فما معنى دعوة الوحي إلى التعقل والتدبر.
والعجب أن كل ما يقوله هو، هو برهنة واستدلال بالعقل، وهو يريد أن يرد العقل بالعقل، فما هذا التناقض؟ اللهم إلاّ أن يلتجئ الأستاذ إلى فرضية «هيجل» وأنّه يصح الجمع بين النقيضين!!.
[١] موقف العقل والعلم والعالم، ج ١، ص ٢٥٧ ـ ٢٥٨ .