الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٨٩
ونحن نترك للباحث الكريم استكشاف وجه الإختلاف بين الآيتين، ليستنبطه على ضوء ما ذكرنا. وكم لهذا من نظير في كتاب الله المجيد.
* * *
الأمر الثاني ـ سمو المعاني
إنّ التالي لآيات الذكر الحكيم ـ إذا كان ممعناً في تلاوته ـ يرى في كل سورة وآية عظة وتنبيهاً، وإعلاماً وتذكيراً، وترغيباً وترهيباً، وتشريعاً وتقنيناً وقصصاً، وعبراً، وبراهين وحُجج، ترقى بروح الإنسان وتحلّق بها في سماء المعنويات. فهذه المعاني العالية السامية الدقيقة، إذا حَمَلَتْها ألفاظ فصيحة، وصِيغَتْ في نُظُم رصينة، وَرُصِّعْت بأُسلوب بديع، وأُلقيت على مقتضى الحال، بهرت العقول، وخَلَبَتْ النفوس، وسَلَّمَتْ بعجزها عن معارضته والإتيان بمثله.
وقد ركّز النبي الأعظم في حديثه عن القرآن، على هذا الأمر، حيث قال: «وباطنه عميق». كما اعترف به عدوّه اللدود، الوليد بن المغيرة، حيث قال: «إنّ أعلاه لمثمر، وإنّ أسفله لَمُغْدق».
إنّ النظرة الفاحصة، في آثار الكُتّاب والمؤلفين، تدفعنا إلى القول بأنّهم لا يخرجون عن طائفتين: طائفة تهتم بتزيين الألفاظ دون العناية بسمو المعنى.
وطائفة أُخرى تهتم بإبداع المعاني من دون عناية بتحسين اللفظ.
وقلما يتّفق من يراعي كلا الأمرين، والجمع بينهما مشكل. لأنّ الألفاظ والجمّل الخلاّبة لا تطابق الموضوعية والواقعية. فالذين يرغبون في إفهام المعاني لا يفتشون عن الألفاظ والعبارات الخلاّبة. فالجمع بين الجمالين، رهن عبقرية ونُبوغ قادرين على تحمّل عبئهما.
والقرآن الكريم أَبْرَزُ نَموذّج للقسم الثالث. فألفاظه في منتهى العُذوبة، ومقاطع الآيات وفواصلها في غاية الأناقة، والأُسلوب في منتهى البداعة، وقد ضمّ إلى هذا الجمال الظاهر، عمقاً في المعنى، لا تجد له مثيلاً في زبر الأولين وكتب الآخرين.