الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٤٧
رهن العذوبة والأناقة فقط، وإنّما هو رهن حلاوة ألفاضه وسمو معانيه، ورصانة نظمه ـ على وجه لو غُيِّرت كلمة أو جملة منه، لم يكن أن يؤتى بدلها بلفظة هي أوفق من تلك اللفظة ـ وبداعة أسلوبه، مجتمعة. فهذه الأُمور بجملتها، أضفت على الكلام جمالاً رائعاً لا يجد الإنسان له مثيلاً في كلام مَنْ غَبَر وَسَبَقَ، أو تَبعَ وَلَحَق. فهو بنظمه العجيب، وأسلوبه الغريب، وملاحته وفصاحته الخاصة، ومعانيه العميقة، تحدّى الإنس والجن، ولأجل ذلك لم يجد العرب لإغراء البسطاء، إلاّ تفسيره بالسحر، لأنّه يأخذ بمجامع القلوب، كلما يأخذ السحر بها.
وخامساً: فإنّ المتبادر من آيات التحدّي أنّها تعرف القرآن بأنّه فوق قدرة الإنس والجن، وأنّه مصنوع لا تصل إليه يد المخلوق، وهذا لا يجتمع مع مذهب الصرفة الّذي لا يضفي على القرآن ذاك الجمال الرائع الّذي يجعله متفوّقاً على القدرة البشرية، وإنّما يضعه في عداد كلام عامة الفصحاء والبلغاء، غاية الأمر أنّه سبحانه ـ كما همّت العرب بمباراته ـ صرف عنهم الهمة والقوة ومنعهم من الإتيان بما اقترحه عليهم.
وبعبارة أخرى: إنّ المتبادر من ظواهر الآيات، أنّ القرآن في ذاته متعال، حائز أرقى الميزات، وكمال المعجزات، حتى يصحّ أن يقال في حقّه بأنّه لو اجتمع الجن والإنس الخ..
يقول الخطابي بأنّ قوله سبحانه: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجنُّ) الآية، يشهد بخلاف هذه النظرية، لأنّها تشير إلى أمْر، طريقُهُ التكَلّف والإجتهاد، وسبيله التأهّب والإحتشاد، وما فُسِّرت به الصرفة لا يلائم هذه الصفة[١].
وسادساً: فلو كان وجه الإعجاز في نكتة الصرفة، لكفى في ذلك أن يكون القرآن كلاماً مبذولاً ومرذولاً للغاية، وركيكاً حدّ النهاية، لكن كلّما أراد سفلة الناس وأوباشهم، الذين يقدرون على صنع مثل تلك الكلم، الإتيان بمثله، حال سبحانه بينهم وبين مباراته. وهو كما ترى، لا يتفوّه به من له إلمام بهذه المباحث.
[١] بيان إعجاز القرآن ص ٢١.