الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٩٨
إمضاءٌ منّا لها، وإدخال للباطل في شريعة الهدى، فيجب علينا حفظ الشريعة في مرحلة البقاء، كما وجب علينا في مرحلة الحدوث»[١].
إنّ هذه الآيات تحكي عن سنّة إلهية جارية في خصوص من ثبتت نبوّتهم بالأدلّة القطعية ودلّت معاجزهم على أنّهم تحت رعايته سبحانه، الّذي اقدرهم بها على التصرّف في الكون. فالإنسان الّذي يصل إلى هذا المقام، يستولي على مجامع القلوب، ويسخّر الناس بذلك لمتابعته، فكل ما يلقيه، ويشرّعه، يأخذ طريقه إلى التنفيذ في حياة الناس والمجتمع. فلو افتعل هذا الإنسان ـ في مثل هذه الظروف ـ كذباً على الله تعالى، اقتضت حكمته سبحانه إهلاكه وإبادته، لمِا في إبقائِه وإدامة حياته، من إضلال الناس، وإبعادهم عن طرق الهداية، الأمر الّذي يناقض مقتضى الحكمة الإلهية الّتي شاءت هداية الناس وإبعادهم عن وسائل الضلالة.
والتدبّر في مفاد هذه الآيات يرشدنا إلى وجود الرابطة المنطقية بين كون النبي محقّاً في دعواه، وإتيانه بالمعجزة وأنّه يتصرف في الكون برضى مبدعه. وبقاؤه على وصف التصرّف كاشف عن رضاه تعالى، وصدق النبي فيما يأتي به.
وبما ذكرنا يعلم أنّ الآيات لا تهدف إلى أنّ دعوى النبوّة كافية في صدق المدّعي، وأنّ المدّعي لو كان كاذباً في دعواه لشملته نقمة الله سبحانه وإماتته، بحجة أنّه لو تقوّل عليه بعض الأقاويل لقطع منه الوتين، فاستمرار المدّعي للنبوّة على الحياة ـ وإن لم يأت بأية معجزة ولم يُقم برهاناً على صدق دعواه ـ هو، بحدّ نفسه، كاشفٌ عن صدق دعواه[٢].
إذ لا ريب أنّ هذه الدعوى أوهن من بيت العنكبوت، ولو صحّت، للزم تصديق كل متنبي في العالم ـ وإن ثبت كذبه ـ لمجرّد عدم إهلاك الله تعالى له.
إلى هنا وقفت على البيان الأول الّذي يُثبت أنّ بين دعوى النبوّة والإتيان بالمعجزة، رابطة منطقية.
[١] البيان في تفسير القرآن، ص ٣٦، الطبعة الثامنة، ١٤٠١ هـ ـ بيروت.
[٢] ادّعى ذلك الكاتب البهائي، أبو الفضل الجرفادقاني، في كتابه الفرائد، ص ٢٤٠، طبعة مصر.