الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١٧٢
سؤالان هامّان
السؤال الأول: هل العصمة تسلب الإختيار؟
ربما يتوهّم أنّ العصمة تسلب من المعصوم الحرية والإختيار، وتقهره على ترك المعصية، لتكون النتيجة انتفاء كلّ مكرمة ومحمدة ربما تنسب إليه لاجتنابه المعاصي والمآثم. وقد أُشير في أمالي السيد المرتضى إلى ما ذكرنا، عند إيراد السؤال التالي:
«ما حقيقة العصمة الّتي يعتقد وجوبها للأنبياء والأمة، وهل هي معنى يضطّر معه إلى الطاعة، ويمنع عن المعصية، فكيف يجوز الحمد لتارك المعصية، والذمّ لفاعلها. وإن كان معنى يضاهي الإختيار، فاذكروه ودلّوا على صحّة مطابقته له»[١].
جوابه
إنّ العصمة لا تسلب الإختيار عن المعصوم بأيٍّ من التحاليل الّتي مضت، ويتّضح ذلك بالنظر في العصمة النسبية المتحققة في العاديين من الناس، فقد تقدم أنّ العالِم بوجود الطاقةِ الكهربائية في الأسلاك العارية، لا يمسّها، والطبيب لا يشرب سؤر المجذومين والمسلولين، لعلمهما بعواقب فعلهما. ومع ذلك، فكل منهما ـ في حال اجتنابه عن الفعل ـ قادر على الفعل لو غضّ طرفه عن حياته وخاطر بها، ولكنهما لا يقومان به لحبِّ كلٍّ منهما صحتَه وسلامته.
إنّ كلّ واحد من العملين المزبورين ممكن الصدور بالذات منهما، غير أنّه ممتنع الصدور بالعرض والعادة، لا ذاتاً وعقلاً وكم فرق بين المحالين. ففي المحال العادي يكون الصدور من الفاعل ممكناً بالذات، غير أنّه يرجّح أحد الطرفين على الآخر بالدواعي الموجودة في ذهنه، بخلاف الثاني، فإنّ أصل الفعل ممتنع بذاته، فلا يصدر لذلك، لا لعدم الدواعي، وهذا نظير صدور القبيح من
[١] أمالي السيد المرتضى، ج ٢، ص ٣٤٧.