الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١٦٨
والجواب: إنّ التفكيك بين المعاصي فرضية محضة لا تصحّ أن تقع أساساً للتربية العامة، لما فيها من الاشكالات.
أمّا أولاً ـ فلأنّ المصونية عن المعاصي نتيجة إحدى العوامل الّتي اوعزنا إليها عند البحث عن حقيقة العصمة، فإنّ تَمَّ وجودها أو وجود بعضها، حصلت المصونية عن المعاصي برمتها، ولا يعقل معها التفكيك بين الكذب وسائر المعاصي، بأن يجتنب الكذب طيلة حياته، بينما هو في الحين ذاته يسرح في سائر المعاصي ويمرح، فإنّ العوامل الّتي تسوق الإنسان إلى اقترافها، تسوقه أيضاً إلى اقتراف الكذب.
وأمّا ثانياً ـ فلأنّ التفكيك بينهما لو صحّ في عالم الثبوت، فلا يمكن إثباته في حقّ مدّعي النبوة بأن يثبت أنّه لا يكذب أبداً مع ركوبه سائر المعاصي، فمن أين يحصل للأُمة العلم بأنً مدّعي النبوة مع اقترافه لأنواع الفجور والمآثم لا يكذب أبداً، بل حتى لو صرّح الداعي إلى الإصلاح بنفس هذا التفكيك، لم يذعن له أحد، لسريان الريب إلى نفس هذا التصريح.
* السؤال الثاني ـ إنّ أقصى ما يثبته هذا الدليل، هو لزوم نزاهة النبي عن اقتراف المعاصي في الظاهر وبين الناس، وهذا لا يخالف عصيانه في الخلوات، فإنّ ذاك القدر من النزاهة كاف في جلب الثقة.
والجواب: إنّ نسبة هذا الأمر (ركوب المعاصي في السرّ دون العلن) إلى مدّعي النبوّة، يهدم الثقة به من أساسها إذ ـ حينذاك ـ ما الّذي يمنعه من أن يكذب ولا يُعلم كذبه، فإذا تطرّق هذا الإحتمال إلى جميع أقواله، انتفت الثقة فيه بالكليّة.
أضف إلى ذلك، أنّ من كانت هذه حاله، وإنْ أمكنه خداع الناس بتزيين الظاهر مدّة من الزمن، إلاّ أنّه لن يتمكن من البقاء على ذلك أبداً، بل لن ينقضي زمان إلاّ وترتفع الأستار وتكشف البواطن، فتظهر سوأته ويبدو عيبه.
* السؤال الثالث ـ إنّ هذا الدليل لا يثبت أزيد من عصمة الأنبياء بعد البعثة لحصول الوثوق في تلك الفترة، ولا يثبت لزوم عصمتهم قبلها.