الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٤٨١
٣ ـ الأصالة للتوحيد لا لليهودية ولا للنصرانية
لقد كان لهاتين الطائفتين ادّعاء ثالث، هو أنّ الهداية الحقيقية، في اعتناق اليهودية أو النصرانية، كما يحكيه عنهم القرآن بقوله: (وَ قَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارى تَهْتَدُوا)[١].
والقرآن يردّ عليهم هذا الزعم الواهي بقوله: (بَلْ ملَّةَ إبراهيم حَنيفاً وما كان مِنَ المُشرْكينَ)[٢]. مشيراً إلى أنّ الهداية الحقيقية، هي في الأخذ بملة إبراهيم، واعتناق مذهبه في التوحيد الخالص من كل شائبة. فإذا عَمَّتْها الهداية، فإنّما هو لأخذهم بالحنيفية الإبراهيمية، لا لاعتناق اليهودية والمسيحية، فلا أصالة لهما، إلاّ إذا كانتا مشتملتين على جوهر التوحيد الإبراهيمي وحنيفيّته.
وقد بلغت جسارة الطائفتين إلى حدّ أنّهم حاولوا إضفاء طابع اليهودية والمسيحية على إبراهيم، ليحصلوا بذلك على دعم جديد لمعتقداتهما، ويضفوا الشرعية على مسلكيهما. ولكن القرآن عاد إلى تفنيد هذه المزعمة الثالثة، كما فند المتقدّمتين، بقوله: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَ لاَ نَصْرَانِيًّا وَ لَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَ مَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)[٣].
فهذه المقدمات، تثبت أنّ اليهود والنّصارى كانوا يتبنون هذه الأفكار الواهية الثلاثة:
١ ـ الرفعة على البشر أجمعين.
٢ ـ كفاية مجرد الانتساب إلى مذهبهما في النجاة.
٣ ـ اختصاص سبيل الهداية بالطائفتين.
فجاء القرآن يُفَنِّد كلَّ واحدة من هذه المزاعم، مستقلاًّ، بعد نقلها، بالآيات الّتي عرفت. ثم يفندها جميعها بصورة إجمالية، بالآية الّتي وقعت ذريعةً
[١] سورة البقرة: الآية ١٣٥.
[٢] الآية السابقة نفسها.
[٣] سورة آل عمران: الآية ٦٧.