الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١٦٢
يوجب رميه في جوف هذا البركان الهائل ليبقى محبوساً في أحشائه مدة من الزمن يناله عذاب الحريق الرهيب ولا يموت. فهل يقدم إنسان يمتلك شيئاً من العقل على اقتراف هذا العمل؟.
يقول سبحانه: (وَيْلٌ يَوْمَئِذ لِلْمُكَذِّبِينَ * اِنْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ * اِنْطَلِقُوا إِلَى ظِلّ ذِي ثَلاَثِ شُعَب * لاَ ظَلِيل وَ لاَ يُغْني مِنَ اللهَبِ * إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَر كَالْقَصْرِ * كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ)[١].
وعلى ضوء هذا البيان، فشهود نتائج المعاصي وعواقبها، شهوداً لا يُبقي في النفس أيَّ ريب وشك، يصدُّ الإنسان عن اختيار ارتكابها، صدّاً قاطعاً، ومع ذلك لا يتنافى مع اختياره ولا يسلب حريته، كما سيوافيك.
الوجه الثالث: الإستشعار بعظمة الربّ وكماله وجماله
وإنّ هنا بياناً ثالثاً للعصمة لا يخالف البيانين السالفين ولبّ هذا البيان يرجع إلى أنّ استشعار عظمة الخالق والتفاني في معرفته، وحُبِّه وعشقِه، صادّ عن سلوك ما يخالف رضاه، وهذه الدرجة من الحبِّ والعشق، أحد عوامل حصول تلك المرتبة من التقوى المتقدمة، وهي لا تحصل إلاّ للكاملين في المعرفة الإلهية.
إنّ الإنسان إذا عرف خالقه كمال المعرفة الميسورة، واستغرق في شهود كماله وجماله وجلاله، وجد في نفسه انجذاباً نحوه، وتعلّقاً خاصاً به، على نحو لايستبدل برضاه شيئاً. ويدفعه شوق المحبة إلى أن لا يبتغي سواه، ويصبح كل ما يخالف أمره ورضاه منفوراً لديه، مقبوحاً في نظره أشدَّ القبح، وتلك هي درجة العصمة الكاملة، ولا ينالها إلاّ الأَوْحَدِيُّ من الناس.
وإلى هذا يشير الإمام عليٍّ ـ عليه السَّلام ـ بقوله: «ما عبدتُك خوفاً من نارك، ولا طمعاً في جنتك، إنّما وجدتكَ أهلاً للعبادة فعبدتك»[٢].
* * *
[١] سورة المرسلات: الآيات ٢٨ ـ ٣٣.
[٢] حديث معروف مروي عن الإمام ـ عليه السَّلام ـ .