الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٩٨
إليه[١].
فهذه الحادثة تكشف عن أنّ المجتمع في الجزيرة العربية أو في قسم الحجاز، كان خلواً من أي محكمة وقضاء، ولم يكن سائداً فيها إلاّ قوة الزور وشريعة الغاب، فلما اتّحد هؤلاء للدفاع عن المظلوم، اشتهر اسم ذلك الحلف، وصار نجماً لامعاً بينهم، وكأنّ شيئاً عجيباً قد حصل.
ففي مثل هذا المجتمع ظهر رجل، وفي يده كتاب، يدعو إلى الأخوّة الدينية أوّلاً، وصيانة حقوق الإنسان في ظل العدالة في جميع المجالات ثانياً، وأتى بتشريعات بعث بها النور والحياة في المجتمع. وهذا أوضح دليل على أنً هذه الثمرة ليست ثمرة طبيعية للبيئة.
إذا عرفت ذلك فلنعد إلى تبيين سمات التشريع الإسلامي، وذكر نزر يسير منها في بعض المجالات، والمهم هو الوقوف على تلك السمات، وهي:
١ ـ مرونة التشريعات الإسلامية، وملاءمتها لجميع الحضارات الماضية والسائدة، والآتية.
٢ ـ إنّ التشريعات القرآنية تعتمد قبل كل شيء على الفطرة الإنسانية الّتي لا تتغير في خضم التحوّلات والتبدّلات. فلا تجد تشريعاً قرآنياً يضاد الفطرة.
٣ ـ التشريع القرآني ينظر إلى الإنسان، بما هو موجود مركب من جسم وروح ومادة ومعنى، ولكل حاجته ورغبته فأباح اللذائذ الجسمانية في إطار لا يمسّ كرامة الإنسان، كما دعا إلى المثل الأخلاقية العليا، فصار بذلك ديناً وسطاً، لا يجنح إلى جانب خاص فينسى الجانب الآخر.
٤ ـ الملاك في التشريع القرآني هو السعادة الإنسانية ومصالح المجتمع ومفاسده، فأرسى قوانينه على ذلك الأساس من دون جنوح إلى إرضاء عموم الناس وإشباع ميولهم، لأنّ إرضاءهم ربما يكون مخالفاً لسعادتهم.
[١] البداية والنهاية، لابن كثير (م ٧٧٤)، ج ٢، ص ٢٤١ ـ ٢٤٢.