الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١١١
الرائجة في عصورهم، حتى يتسنى لخبراء كل فنّ تشخيص المعاجز وإدراك استنادها إلى القدرة الغيبيّة، وتمييزها عن الأعمال الباهرة المستندة إلى العلوم والفنون الرائجة. وتتّضح حقيقة ما ذكرناه، في السحرة الذين بارزوا موسى ـ عليه السَّلام ـ ، فإنّهم ـ لكونهم من أهل الخبرة والمعرفة بحقيقة السحر وفنونه ـ أدركوا فوراً، بعدما ألقى موسى عصاه وانقلبت ثعباناً حيّاً التقف حبالهم وعصيّهم أدركوا أنّه ليس من جنس السحر، وأنّه معجزة خارقة متصلة بالقدرة الإلهية، ولذلك سرعان ما خضعوا للحق كما يحكيه عنهم تعالى بقوله: (وَ أُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ)[١].
قال القاضي عبد الجبار: إنّ المُشَعْوِذ والمحتال إنّما يَنفذ حيلته على من لم يكن من أهل صناعته، ولا يكون له دراية ومعرفة، وليس هذا حال المعجزة، فقد جعل الله سبحانه وتعالى معجزة كل نبي ممّا يتعاطاه أهل زمانه، حتى جعل معجزةَ موسى ـ عليه السَّلام ـ قَلْب العصا حيّةً، لما كان الغالب على أهل ذلك الزمان، السحر. وجعل معجزة عيسى ـ عليه السَّلام ـ إبراءَ الأَكْمَهِ والأَبْرَصَ، لما كان الغالب على أهل زمانه الطب. وجعل معجزة نبينا محمد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ «القرآن»، وجعله في أعلى طبقات الفصاحة، لما كانت الغلبة للفصاحة والفصحاء في ذلك الزمان، وبها كان يفاخر أهله ويتباهى»[٢].
الخامس ـ الإختلاف من حيث الأهداف والغايات
إنّ أصحاب المعاجز يتبنون أهدافاً عالية، ويتوسلون بمعاجزهم لإثبات أحقية تلك الأهداف، ونشرها. وهي تتمثل في الدعوة إلى عبادة الله تعالى وحده، وتخليص الإنسان من عبودية الأصنام والحجارة والحيوانات، والدعوة إلى الفضائل ونبذ الرذائل، واستقرار النظام الاجتماعي للبشر، وغير ذلك.
وهذا بخلاف المرتاضين والسحرة، فغايتهم إمّا كسب الشهرة والسمعة بين
[١] سورة الأعراف: الآيتان ١٢٠ ـ ١٢١.
[٢] شرح الأُصول الخمسة، ص ٥٧٢.