الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٦
إلى قائل بانه ليس بمؤمن ولا كافر، بل في منزلة بين المنزلتين، ويعاقب أقل من عقاب الكافر، إلى ثالث بأنه مؤمن فاسق. وتلت هذه المسألة حدوث كلامه سبحانه أو قدمه فأحدثت بين المسلمين ضجة كُبرى، وصارت مبدءً لمحنة أو محن. وفي عرض هذه المسألة إرتفع النقاش حول الصفات الخبرية الواردة في الكتاب والسنة، كاليد، والعين والإِستواء على العرش إلى غير ذلك من الصفات.
ثم إنه كلما ازداد الاحتكاك الثقافي بين المسلمين والأجانب، وشاعت ترجمة الكتب الفلسفية والعقيدية للفرس واليونان وغيرهما، زاد النقاش والبحث حولها، للاصطكاك بين تلك الآراء وما جاء به القرآن والسنة، فلم يجد المسلمون في تلك الاجيال إلا التدرع بالبراهين العقلية حتى يصونوا بذلك حوزة الإسلام من السهام المرشوقة الّتي ما زالت تطلق إلى قلب الإِسلام والمسلمين، ونواميس الدين والشريعة. فشكر الله مساعي الجميع من سنة وشيعة في حفظ الدين وصيانته.
هذا ما قام به القدماء في أداء وظيفتهم الرساليّة، لكن التاريخ يشهد بأن قسماً كبيراً من مسائل علم الكلام، حول المبدأ والمعاد، وحول التوحيد والعدل، متخذة من خطَب الإمام امير المؤمنين ـ عليه السلام ـ ، وانه هو البطل المقدام في دعم هذه الأُصول وإحكامها. ولو اعترفت المعتزلة بأن منهجهم الكلامي يرجع إلى عليٍّ ـ عليه السلام ـ فقد صدقوا في انتمائهم وانتسابهم إلى ذاك المنهل العذب الفياض. وليس عليٌّ وحده من بين أئمة أهل البيت، أقام دعائم هذا العلم وأشاد بنيانه، بل تلاه الائمة الاخر منهم، كعليّ بن الحسين زين العابدين ـ عليه السلام ـ (ت ٣٨ ـ م ٩٤ هـ)، فقد صقل العقول والأَذهان الصافية بأدعيته المعروفة الّتي هي لباب التوحيد وصفوة المعارف الإِلهية، وفيها من العرفان الصافي ما لا يوجد في غيرها. كما أن صادق الأمة وامامها جعفر بن محمد ـ عليه السلام ـ (ت ٨٣ ـ م ١٤٨ هـ) رفع صرح المدرسة الكلامية الموروثة من آبائه وأجداده، يقف عليه من سبر أحاديثه وكلماته وأماليه، حتى جاء عصر الإمام الثامن علي بن موسى الرضا (ت ١٤٨ ـ م ٢٠٣ هـ) فأضفى على المسائل