الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١٣٠
قال الشيخ محمد عبده، معرضاً بأولئك المنكرين للوحي:
«إنّ انكشاف ما غاب من مصالح البشر عن عامتهم، لمن يختصه الله بذلك، لا أراه ممّا يصعب إدراكه، إلاّ على من يريد أن لا يدرك، ولا يحبّ أن يرغم نفسه الفهّامة على أن لا تفهم. نعم يوجد في كلّ أُمة وفي كل زمان أُناس يقذف بهم الطيش، والنقص في العِلْم، إلى ما وراء سواحل اليقين، فيسقطون في غمرات من الشك في كل ما لم يقع تحت حواسهم الخَمْس، بل يدركهم الريب فيما هو من متناولها، فكأنّهم بسقطتهم هذه انحطوا إلى ما هو أدنى من مراتب أنواع أخرى من الحيوان فينسون النقل وشؤونه، ويجدون في ذلك لذّة الإطلاق عن قيود الأوامر والنواهي. فاذا عرض عليهم شيء من الكلام في النبوات والأديان، وهم من إنفسهم هامّ بالإصغاء، دافعوه بما أُوتوا من الإختيار في النظر، وانصرفوا عنه، وجعلوا أصابعهم في آذانهم، حذر أن يخالط الدليل أذهانهم، فيلزمهم العقيدة، وتتبعها الشريعة، فيحرموا لذّة ما ذاقوا، أو ما يحبون أن يتذوقوا، وهو مرض في الأنفس والقلوب يستشفى منه بالعلم إنشاء الله».
ثم أضاف: «قلت: أي استحالة في الوحي، وأن ينكشف لفلان ما لا ينكشف لغيره، من غير فكر ولا ترتيب مقدمات، مع العلم أنّ ذلك من قبل واهب الفكر ومانح النظر، حتى حَفَّت العنايةُ من ميَّزَتْهُ هذه النعمة.
فما شهدت به البديهة، أن درجات العقول متفاوتة، يعلو بعضها بعضاً، وأنّ الأدنى منها لا يدرك ما عليه الأعلى إلاّ على وجه من الإجمال، وأنّ ذلك ليس لتفاوت المراتب في التعليم، بل لا بدّ معه من التفاوت في الفطر الّتي لا تدخل فيها، لاختيار الإنسان وكسبه.
فمِنْ ضَعْف العقول، والنكول عن النتيجة اللازمة لمقدماتها عند الوصول إليها، أن لا يسلم بأنّ من النفوس البشرية ما يكون لها من نقاء الجوهر بأصل الفطرة ما تستعد به من محض الفيض الإلهي لأن تتصل بالأُفق الأعلى وتنتهي من الإنسانية إلى الذروة العليا، وتشهد من أمر الله شهود العيان، ما لم يصل غيرها إلى تعقّله أو تحسسه بعصا الدليل والبرهان، وتتلقى عن العليم الحكيم ما يعلو وضوحاً