الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١٨٨
الْكَاذِبِينَ)[١]، أي ليتحقق إبلاغ رسالات الله على ما هي عليه من غير تبديل ولا تغيير، وهو ـ أي تحقق الإبلاغ على ما هو عليه ـ يتوقف على جعل الرصد والحفظة عليه في المراحل الثلاث جميعها: الأخذ والوعي والإبلاغ.
والثانية، قوله: (وأَحَاطَ بما لَدَيْهمْ). فإنّها أيضاً جملة مؤكدة لجعل الحراسة، ومعناها أنّه سبحانه يحيط بما لدى الأنبياء من الوحي، فيكون في أمان من تطرّق التحريف.
وأمّا قوله: (وأَحصى كُلَّ شيء عددا)، فَمَسوقٌ لإفادة عموم علمه بكلِّ شيء، من غير فرق بَيْنَ الوحي المُلْقى إلى الرسول وغيره.
وخلاصة الكلام: إنّ الوحي كالماء الصافي الزلال، المنحدر من معينه، ينزل من مصدره وهو خزائن علم الله تعالى، إلى النبي، ومنه إلى الناس، من دون أن يتطرق إليه التحريف والتبديل من جانب الشياطين أو القوى النفسانية في النبي، بل يصل كما صدر بلا أدنى تغيير.
قال العلامة الطباطبائي، بعد بحثه في مفردات الآية على غرار ما ذكرناه: «إنّ الرسول مؤيَّدٌ بالعصمة في أخذ الوحي من ربّه، وفي حفظه، وفي تبليغه إلى الناس، مصونٌ من الخطأ في الجهات الثلاث جميعاً. لما مرّ من دلالة الآية على أنّ ما نزّل الله من دينه على الناس من طريق الوحي، مصون في جميع مراحله إلى أن ينتهي إلى الناس. ومن مراحله، مرحلة أخذ الوحي وحفظه وتبليغه، والتبليغ يعمّ القول والفعل، فإنّ في الفعل تبليغاً، كما في القول. فالرسول معصوم عن المعصية باقتراف المحرمات وترك الواجبات الدينية، لأنّ في ذلك تبليغاً لما يناقض الدين. فهو معصوم من فعل المعصية، كما أنّه معصوم من الخطأ في أخذ الوحي وحفظه وتبليغه قولاً»[٢].
وفي ضوء هذه الآية الكريمة يمكن القول بأنّ مصونية الأنبياء عن الخطأ
[١] سورة العنكبوت: الآية ٣.
[٢] الميزان في تفسير القرآن، ج ٢٠، ص ١٣٣.