الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١٨٥
الرسالة بجوانبها المختلفة، من تلقي الوحي فوعيه وحفظه، إلى إبلاغه.
* الآية الأولى: قوله تعالى (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ وَ أَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيَما اخْتَلَفُوا فِيهِ وَ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَىَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَ اللهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم)[١].
إنّ هذه الآية تصرّح بأنّ من أهداف بعثة الانبياء، القضاء بين الناس فيما اختلفوا فيه. وليس المراد من القضاء إلاّ القضاء بالحق، وهو فرع وصول الحق إلى القاضي بلا تغيير ولا تحريف.
ثم إنّ نتيجة القضاء هي هداية من آمَنَ مِنَ الناس إلى الحق بإذنه، كما هو صريح قوله: (فَهَدى الله الذينَ آمَنوا لما اخْتَلَفوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإِذْنِه). والهادي وإن كان هو الله سبحانه في الحقيقة، لكن الهداية تتحقق عن طريق النبي بوساطته. وتحقق الهداية منه، فرع كونه واقفاً على الحق بكماله وتمامه. من دون تحريف ولا زيادة أو نقصان. وكل ذلك يستلزم عصمة النبي في تلقّي الوحي وتحمله وإبلاغه إلى الناس.
والحاصل أنّ الآية تدلّ على أنّ النبي يقضي بالحق أوّلاً، ويهدي المؤمنين إليه ثانياً. وهذا يستلزم كونه واقفاً على الحق على ما هو عليه، ومبلّغاً له على نحو ما تلقّاه ووعاه.
* الآية الثانية: قوله تعالى: (وَ مَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى)[٢].
فالاّية تصرِّح بأنّ النبي لا يتكلم بداعي الهوى، والمراد منه إمّا جميع ما يصدر عنه من القول في مجالات الحياة على اختلافها، كما هو مقتضى إطلاقها، أو
[١] سورة البقرة: الآية ٢١٣.
[٢] سورة النجم: الآيتان ٣ و ٤.