الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١٠
الزمانية والمكانية والأجهزة الدماغية تأثير في الإدراكات الإنسانية، فليس في وسع الإنسان أن ينال الواقع على ما هو عليه، وأن ترد على ذهنه صورة مطابقة له، مطابَقَةَ الفرعِ للأصل، بل كل ما يحكيه الإنسان بتصوراته وتصديقاته عن واقع الكون ونفس الأمر، فإنّما يحكيه بمفاهيم ذهنية تأثرت بأمور شتى خارجية وداخلية، فالإنسان في مبصراته ومسموعاته أشبه بمن نظر إلى الاشياء بمنظار ملّون، فكما أنّه يرى ألوان الأشياء على غير ما هي عليه، فهذه الظروف الزمانية والمكانية، وما في داخل المدرك وخارجه من الخصوصيات كهذا المنظار، تُري الأشياء على غير ما هي عليه، ولكن لا تباينها، بل تطابقها مطابقة نسبية فالإنسان عند هؤلاء أشبه بمن ابتلي بمرض اليرقان، فكما أنّه يرى الأبيض والأسود صفراوين، لأجل خصوصية في جهازه الإبصاري، فهكذا الإنسان في كل ما يدرك ويقضي، فإنّما يتوصل إلى الواقع بأجهزته الّتي يتأثر العلم الوارد إليها من الخارج بها، ومع ذلك كله فليس ما يدركه خطأً محضاً، ولا صدقاً محضاً، بل هو صحيح في ظروف خاصة.
هذا إجمال ما يذهب إليه النسبيون من الفلاسفة، غير أنه أصبح أساساً للمناهج الفلسفية الغربية منذ عصر ديكارت إلى زماننا هذا، والإنسان المتتبع في كلماتهم ونظرياتهم يقف على أنهم لا يعتقدون بالقضايا الصادقة المطلقة الدائمة الكلية، خصوصاً في فلسفة «جان لاك» (ت ١٦٣٢ ـ م ١٧٠٤) وفسلفة «كانت» (ت ١٧٢٤ ـ م ١٨٠٤) فهؤلاء ـ بإضفاء النسبية على القضايا، وتأثر الإدراكات الإنسانية في جميع الموارد بالخصوصيات الداخلية والخارجية ـ أعادوا حديث السفسطة ولكن بثوب جديد، وغطاء علمي خادع. ومن سبر دلائل السوفسطائيين في الفلسفة الإغريقية، يقف على أن ما ذكره الغربيون وجهاً لنسبية العلوم، وهو نفس ما ذكر رئيس الشكاكين اليونانيين «بيرهون» في إثبات السفسطة وأن ما يدركه الإنسان من الخارج لا ينطبق عليه لأنّ الأجهزة الإداركية تتأثر بالظروف الزمانية والمكانية والحالات النفسانية، وبذلك لا يمكن أن نعتبر العلوم علماً حقيقياً كاشفاً عن الواقع.
ولو صدق حديث النسبية وأن الاجهزة الادراكية لم تزل خاضعة لشرائط