الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٥١
الأمر الثالث
عجز البشر عن الإتيان بمثله[١]
قد عرفت أنّ الرسول الأكرم تحدّى العالمين أجمع على الإتيان بكتاب مثل القرآن، وتَنَزّل حتى تحدّاهم على الإتيان بعشر سُوَر، بل سورة من مثله.
وإنّ تحليل التاريخ المسطور يكشف لنا عجز العرب أمام هذا التحدّي، وذلك أنّ النبي الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، قد بقي يطالب العرب بالإتيان بمثل هذا القرآن مدّة عشرين سنة، مظهراً لهم النكير، زارياً على أديانهم، مسفّهاً آراءهم وأحلامَهم، وهم أهل البلاغة والفصاحة، وفيهم أساطينها وأركانها، ولكنهم مع ذلك لم ينبسوا ببنت شفة، ولم يجرء أحد منهم على إبداع كلام يعارض فيه القرآن، وإنّما سلكوا مسلكاً آخر، فنابذوه الحرب، حتى هلكت فيه النفوس، وأُريقت المُهَج، وقطعت الأرحام، وذهبت الأموال.
ولو كان ذلك في وسعهم وتحت إقدارهم، لم يتكلّفوا هذه الأمور الخطيرة، ولم يتركوا السهل الدمث من القول إلى الحزِن الوعر من الفعل. هذا ما لا يفعله عاقل، ولا يختاره ذولبّ. وقد كانت قريش موصوفين برزانة الأحلام ووفرة العقول والألباب. وقد كان فيهم الخطباء المصاقع، والشعراء المُفْلقون[٢].
[١] قد عرفت أنَ إعجاز القرآن يتقوم بأمور ثلاثة: التحدي، وخرق العادة، وعجز البشر عن الإتيان بمثله.
[٢] لاحظ بيان إعجاز القرآن، لأبي سليمان الخطابي، ص ٩.