الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١٧١
قال القاضي عبد الجبار: «إنّ النفوس لا تسكن إلى القبول ممن يخالف فعله قوله، سكونّها إلى من كان منزهاً عن ذلك. فيجب أن لا يجوز في الأنبياء ـ عليهم السَّلام ـ ، إلاّ ما نقوله من أنّهم منزهون عمّا يوجب العقاب والإستخفاف والخروج من ولاية الله تعالى إلى عداوته.
يبينّ ذلك أنّهم لو بعثوا للمنع من الكبائر والمعاصي، بالمنع والردع والتخويف، فلا يجوز أن يكونوا مقدمين على مثل ذلك، لأنّ المعلوم أنّ المُقْدِمَ على شيء، لا يقبل منه منع الغير منه بالنهي والزجر والنكير، وأنّ هذه الأحوال منه لا تؤثّر... ولو أنّ واعظاً انتصب يخوف من المعاصي مَنْ يشاهده مقدماً على مثلها، لاستخفّ به وبوعظه»[١].
وقال في موضع آخر: «إنّ الواعظ والَمُذَكّر، وإنّ غلب على ظننا من حاله أنّه مقلع تائب لما أظهره من أمارات التوبة والندامة، حتى عرفنا من حاله الإنهماك في الشرب والفجور من قبل، لم يؤثّر وعظه عندنا، كتأثير المستمر على النظافة والنزاهة في سائر أحواله»[٢].
وهذا كما يوجب العصمة بعد البعثة، يقتضيها قبلها أيضاً، لأنّ لسوابق الأشخاص، وصحائف أعمالهم الماضية تأثيراً في قبول الناس كلامهم وإرشاداتهم وهداياتهم[٣].
ثم إنّ هنا سؤالان مهمّان يطرحان حول العصمة، نفردهما بالذكر، ونجيب عليهما قبل أن ننتقل إلى بيان العصمة عن المعصية والمخالفة المولوية، في الذكر الحكيم.
* * *
[١] المغنى، ج ١٥، ص ٣٠٣.
[٢] المصدر نفسه، ص ٣٠٥.
[٣] وقد أقام المتكلمون، على عصمة الأنبياء، دلائل كثيرة، فذكر المحقق الطوسي ثلاثة، وأضاف إليها القوشجي دليلين آخرين، وذكر الإيجي تسعة أدلّة. غير أنّ بعض ما ذكروه ليس دليلاً عامّاً لجميع الأحوال والفترات، بل يختص بعصر النبوة. ومن أرادها فليلاحظ المواضع التالية: كشف المراد، ص ٢١٧. شرح التجريد للقوشجي، ص ٤٦٤. المواقف، ص ٣٥٩ ـ ٣٦٠.