الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٦٢
رجال العرب وفُتّاكها أقبلوا يريدون اغتياله وقتله، فسمعوا آيات من القرآن، فلم يلبثوا حين وقعت في مسامعهم، أن تَحَوّلوا عن رأيهم الأول، وركنوا إلى مسالمته، ودخلوا في دينه، وانقلبت عداوتهم موالاةً، وكفرهم إيماناً.
يقول سبحانه: (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَل لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللهِ)[١].
ويقول سبحانه: (اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَ قُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ)[٢].
ويقول سبحانه: (وَ إِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ)[٣].
هذا ما يثبته التحليل الآتي لكلٍّ من هذه الدعائم. فليس المُدَّعى كون كل واحدة منها، وجهاً مستقلاً للإعجاز، وإنّما المراد أنّ كلّ واحدة منها توجِد أَرْضِيَّةً خاصةً، ليتشكل باجتماعها كلامٌ معجزٌ خارق، مُبهر للعقول، ومدهش للنفوس. فيجد الإنسان في نفسه العجز عن المباراة. والضعف عن التحدّي.
هذا، وقد نقل السيوطي عن عدّة من المحققين في مسألة إعجاز القرآن أقوالاً كثيرةً[٤]، غير أنّ بعضها خارج عن الإطار البياني، الّذي نحن بصدد تشريحه، مثل انطواء القرآن على الإخبار بالمُغَيّبات، الّذي سنذكره في عِداد الشواهد الدالة على أنّ القرآن كتاب إلهي لا بشري، ولكن لُبّ هذه الأقوال ـ الّتي ترجع إلى الإعجاز البياني ـ يتلخص في الدعائم الأربع الّتي اخترناها أساساً للإعجاز.
ولأجل توضيح هذه الدعائم الأربع نأتي بمقدمة نبينّ فيها معنى الفصاحة والبلاغة، حتى يتبين نسبة كل واحدة من هذه الدعائم إلى الأُخرى.
[١] سورة الحشر: الآية ٢١.
[٢] سورة الزمر: الآية ٢٣.
[٣] سورة المائدة: الآية ٨٣.
[٤] لاحظ الإتقان في علوم القرآن، ج ٤، ص ٦ ـ ١٧ ط مصر، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم.