الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٤٨٩
فظهر ممّا قدمنا أنّ الخاتم بمعنى ما يختم به، وله مصاديق، فتارة يختم بحلية الإصبع، وأُخرى بشيء مثل الشمع، وثالثة بمثل الطين، وأشياء أُخرى درجت حديثاً.
وأضعف من ذلك احتمال أن يكون المراد من قوله تعالى: (وَ خَاتَمَ النَّبِيِّينَ)، أنّه مصدِّقٌ للنبيين، فاستعارة الخاتم له، لأجل أنّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ مُصَدِّقُهم كالخاتم المصدِّق لمضامين الكتب.
ويَرُدُّهُ، أوّلاً: لو كان المراد هو تصديق النبيين، فلم عدل عن التعبير الصريح، إلى هذا التعبير المعقد، مع أنّه استعمل لفظ مصدّق دون الخاتم عندما أراد بيان تصديق نبيٍّ لنبيٍّ آخر; فقال: (وَ إِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ)[١].
وكذلك عندما أراد بيان تصديق كتاب لكتاب; فقال: (وَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَ مُهَيْمِنًا عَلَيْهِ)[٢].
وثانياً: ليس الخاتم نفسه مصدِّقاً، وإنّما هو آلة التصديق، وما يُصَدَّق به، وإنّما المصدِّق من يستعمل الختم، وهذا بخلاف النبي فإنّه بنفسه مصدق.
وَلَعَمْري، لولا شيوع التشكيك بين البسطاء من غير العرب، لكان الأولى ترك التعرض له.
نعم، هنا تشكيك آخر قابل للطرح والذكر، وإليك بيانه.
تشكيك آخر
إنّ المختوم في الآية المباركة هو منصب النبوة لا الرسالة، حيث قال: (خَاتَمَ النَّبِيِّينَ). وخَتْم باب النبوة، لا يلازم ختم باب الرسالة، فهو مفتوح على مصراعيه في وجه الأُمة، ولم يوصد.
[١] سورة الصف: الآية ٦.
[٢] سورة المائدة: الآية ٤٨.