الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٣٨
البيضاء، وآلة السحر؟ وبعث عيسى بآلة الطب؟ وبعث محمداً(صلّى الله عليه وعلى جميع الأنبياء) بالكلام والخطب؟».
فقال أبو الحسن ـ عليه السَّلام ـ : «إنّ الله لما بعث موسى ـ عليه السَّلام ـ كان الغالب على أهل عصره السحر، فأتاهم من عند الله بما لم يكن في وسعهم مثله، وما أبطل به سحرهم، وأثبت به الحجة عليهم.
وإنّ الله بعث عيسى ـ عليه السَّلام ـ في وقت قد ظهرت فيه الزِّمانات[١]، واحتاج الناس إلى الطب، فأتاهم من عند الله بما لم يكن عندهم مثله، وبما أحيى لهم الموتى، وأبرأ الأكمه والأبرص بإذن الله وأثبت به الحجة عليهم.
وإنّ بعث محمداً ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في وقت كان الغالب على أهل عصره الخطب والكلام ـ وأظنه قال: الشعر ـ فأتاهم من عند الله من مواعظه وحكمه ما أبطل به قولهم، وأثبت به الحجة عليهم.
قال فقال إبن السكِّيت: «تالله ما رأيْتُ مثلك قَطً»[٢].
الوجه الثاني ـ الدين الخالد رهن المعجز الخالد
وهناك وجه ثان لاختصاص النبي بهذه المعجزة وهو الفرق الواضح بين دعوته، ودعوة سائر الأنبياء، فإنّ دعوتهم وشريعتهم كانت محدودة زماناً ومكاناً، أو من حيث الزمان فقط. ولأجل ذلك كانوا يبشرون بمجيء نبي آخر ينسخ بشريعته شرائع مَنْ قَبْلَه. ومِثْل تلك الدَّعَوات يكفي في إثباتها وجود معاجز تنقلها الأجيال المعاصرة للأنبياء إلى الأجيال التالية لهم بصورة الأمر المتواتر، ومثل هذه المعاجز لا تكفي للدعوة الخالدة، لأنّ الإيمان بالعاجز والإذعان بصحتها من خلال نقلها بالتواتر يزول بمضي الزمان، إلى حدّ تصبح معه أموراً ظنية، غير قابلة لاتمام الحجّة، للأجيال المتلاحقة.
[١] الزِّمانات: الآفات الواردة على بعض الأعضاء فتمنعها من الحركة كالفالج واللَّقوة.
[٢] الكافي، ج ١، كتاب العقل والجهل، الحديث ٢٠، ص ٢٤ ـ ٢٥.