الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١٣٢
الصالح الّذي يتميز بهذا النوع من النبوغ، هو النبي. والفكر الصالح المترشح من مكامن عقله وومضات نبوغه هو الوحي. والقوانين الّتي يسنها لصلاح الاجتماع هي الدين. والروح الأمين (جبرائيل)، هو نفسه الطاهرة الّتي تفيض هذه الأفكار إلى مراكز إدراكه. والكتاب السماوي، وهو كتابه الّذي يتضمن سننه وقوانينه. والملائكة الّتي تؤيّده في حلّه وترحاله، هي القوى الطبيعية. والشيطان الّذي يقاومه ويقاوم أتباعه هو النفس الأمّارة بالسّوء أو سائر القوى الحيوانية الداعية إلى الشرّ والفساد. ومع ذلك كلّه، فالله سبحانه من وراء الجميع.
تحليل نظرية النُبوغ
إنّ تفسير النبوة بالنبوغ ليس تفسيراً جديداً، وإن صيغ في قالب علمي جديد، فإنّ جذوره تمتد إلى عصر ظهور الإسلام حيث كان العرب الجاهليون يحسّون بجذبات القرآن وبلاغته الخلابة، فينسبونه إلى الشعر الّذي كان الحرفة الرائجة عندهم، ويتبارز فيه النوابغ منهم، فكانوا يقولون: (بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَة كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ)[١].
ويرد عليهم القرآن الكريم بقوله: (وَ مَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِر قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ)[٢].
وبقوله:(وَ مَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَ مَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَ قُرْآنٌ مُبِينٌ)[٣].
ومع ذلك يلاحظ عليه:
أولاً: إنّ العودة إلى هذه النظرية ينبع من الإحساس بالصَّغار أمام الحضارة المادية المُدهشة، المقترنة بأنواع الإكتشافات والإختراعات في مجال
[١] سورة الانبياء: الآية ٥.
[٢] سورة الحاقة: الآية ٤١.
[٣] سورة يس: الآية ٦٩.