الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٧٠
وعذوبة تركيب أحرفها، وكونها مجانبة للوحشي الغريب، وبعدها عن الركيك المسترذل، مضافاً إلى سلاسة صيغها.
فإنّه سبحانه قال: (الجَوَار)، ولم يقل: «الفُلْك»، لما في الجَرْي من الإشارة إلى باهر القُدرة حيث أجراها بالريح، وهي أرق الأشياء وألطفها، فحرّك ما هو أثقل الأمور، وأعظمها في الجرم. (والفُلْك، وإن كان مثل الجوار في العذوبة، لكنه يفقد النكتة الّتي يشملها الآخر).
وقال سبحانه (في البحر)، ولم يقل: «في الطمطام». ولا: «في العُباب». والكل من أسماء البحر، لأنّ البحر أسهل وأسلس، وبالتالي أعذب وأجمل.
وقال سبحانه: (كالأعلام)، ولم يقل: «كالروابي»، ولا: «كالاكام»، إيثاراً للأخف الملتذ به، وعدولاً عن الوحشي المشترك[١].
من عجائب القرآن أنّه يعمد إلى ألفاظ ذات تركيب يغلب عليه الثقل والخشونة، فيجمعها في معرض واحد، ثم ينظم منها آياته، فإذا هي وضيئة مشرقة، متعانقة متناسقة. ومن نماذج ذلك، قوله سبحانه:
(قَالُوا تَاللهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ)[٢].
إسمعها، هل تجد نَْبَرةً تخدش أذنك؟. واقرأها، فهل تجد لفظاً يتعسر على شفتيك، أو يضطرب في لسانك، فيا لها من سلاسة وعذوبة واتّساق، مع أنّ فيها كلمات ثقيلة بمفردها ثقلاً واضحاً في الأذن وعلى اللسان، أعني قوله: «تالله... تفتؤا... حَرَضاً». ولكنها حين اجتمعت في نظم قرآني، خفّ ثقيلها، ولان يابسها. وسلس جامحها، وانقاد وذلّ نافرها، فإذا هي عرائس مجلوة، تختال في روض نضير. فهذه ثلاث كلمات من أثقل الكلام، قد انتظمت
[١] الطراز، ج ٣، ص ٢١٥.
[٢] سورة يوسف: الآية ٨٥.