الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٤٨٢
لمنكري عالمية الرسالة، وهدف الآية أنّ فكرة الشعب المختار، أو كون النجاة رهن الانتساب والتسمية، أو اختصاص الهداية بإحدى الطائفتين، أمر باطلٌ لا أساس له، فإنّ النجاة والجنة يَعُمّان جميع البشر وجميع الطوائف، إذا كانوا مؤمنين بالله واليوم الآخر، وعاملين بالصالحات، من غير فرق بين إنسان وإنسان، وشعب وآخر، فلا استعلاء ولا تفوق لطائفة على غيرها، ولا الانتساب والتسمية ينجيان أحداً في العالم، ولا الهداية رهن اعتناق أحد المذهبين، وإنّما النجاح والفوز والصلاح في الإيمان والعمل الصالح. وهذا الباب مفتوح في وجه كل إنسان، يهودياً كان أو نصرانياً أو صابئياً.
فالآية بصدد تفنيد هذه المزاعم، وأمّا الاعتراف بإقرار الإسلام لشرعية الشرائع السابقة، بعد ظهوره فليس لها دلالة على ذلك ولا إشعار، بشرط التوقف والإمعان في الأفكار الّتي كانت الطائفتان تتبناهما.
وممّا يوضح المراد من هذه الآية، قوله: (وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَ اتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَ لأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ)[١]. فتصرّح الآية بانفتاح أبواب الجنة في وجه البشر، من غير انحصار بجماعة دون جماعة، حتى أنّ أهل الكتاب لو آمنوا بما آمن به المسلمون، لقبلنا إيمانهم، وكفرنا عنهم سيئاتهم.
ومثله قوله سبحانه في سورة العصر: (وَ الْعَصْرِ * إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْر * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَ تَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَ تَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ)[٢].
وأمّا كفاية الإيمان والعمل الصالح، فقط، وعدم لزوم شيء آخر من المعارف والعقائد والأعمال، فليست الآية بصدد بيانها نفياً أو إثباتاً، وإنّما يُرجع فيها إلى الآيات الأُخر.
وإذا أردت أن تصوغ الجواب في أُسلوب منطقي، فقل: إنّ الحصر في
[١] سورة المائدة: الآية ٦٥.
[٢] سورة العصر.