الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٤٠٩
للمجرم، لا مَفَرَّ له منها، وستناله يد العدالة الإلهية، وإن كان غائباً عن أبصار الناس، مختلياً بجرمه في أعماق مغارات الأرض.
إنّ الكون كلَّه في نظر المؤمن المسلم عيون تراقب أفعاله، وأسماع تسمع كلامه، وتسجل كل ما يفعل ويقترف:
يقول سبحانه: (هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)[١].
ويقول سبحانه: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْل إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)[٢].
وإنّما تتجلى تلك الحقيقة إذا كان المجتمع معتقداً بأنّ العقاب الأُخروي، وجودٌ أُخروي لعمل المرء الدنيوي، وأنَّ لكل عمل ـ خيراً كان أو شراً ـ وجودين متناسبين لظروفهما، فاكتناز الذهب والفضة، وعدم إنفاقهما في سبيل الله، يَتَمَثَّلُ في الآخرة، ناراً تَكوي جباه الكانزين وظهورَهم وجنوبهم، ويقال لهم: هذا الّذي يَكْوي أعضاءكم هو نفس الذهب والفضة الّتي كنزتموها[٣].
الثاني ـ إنّ التشريع القرآني ليس دين الرهبة فقط، بل هو دين الرَّغبة أيضاً، حيث وعد المطيعين، ثواباً عظيماً قال سبحانه: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا)[٤].
وقال سبحانه: (وَ مَنْ يُطِعِ اللهَ وَ رَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا)[٥].
الثالث ـ قَرَن هذا الوازع الداخلي بوازع خارجي، فأوعد المتمردين عقوبات دنيوية من حدود وتعزيرات، فأكمل بذلك حوافز التطبيق.
[١] سورة الجاثية: الآية ٢٩.
[٢] سورة ق: الآية ١٨.
[٣] سورة التوبة: الآيتان ٣٤ و ٣٥.
[٤] سورة الأنعام: الآية ١٦٠.
[٥] سورة النساء: الآية ١٣.