الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١٣١
على ما يتلقاه أحدنا عن أساتذة التعليم. ثمّ تصدر عن ذلك العلم إلى تعليم ماعلمت، ودعوة الناس إلى ما حُملت على إبلاغه إليهم، وأن يكون ذلك سنّة الله في كلِّ أُمّة وفي كل زمان حسب الحاجة، يظهر برحمته من يختصه بعنايته، ليفي للإجتماع بما يضطرّ إليه من مصلحته، إلى أن يبلغ النوع الإنساني أشُدّه وتكون الأعلام الّتي نصبها لهدايته إلى سعادته، كافية في إرشاده، فتختم الرسالة، ويغلق باب النبوة»[١].
ثم إنّ هؤلاء الذين اتّخذوا لأنفسهم موقفاً مسبقاً في سعة الوجود وضيقه، وسعة أدوات المعرفة وضيقها، فعجزوا عن إدراك الوحي كنوع متميز عن الإدراكات البشرية، حاولوا تحليله بأُصول مادية حتى يسهل عليهم تصديق الأنبياء وعدم اتّهامهم بتعمد الكذب. فمالوا يميناً وشمالاً في بيان حقيقته: فتارة يرون الوحي نوعاً من النبوغ الخاص بالأنبياء، وأخرى نتيجة ظهور الشخصية الباطنية للرسول، فتلهمه بما ينفعه وينفع قومه. ونحن فيما يلي نتعرض إلى هاتين النظريتين ونحللهما الواحدة بعد الأخرى، ثم نعرّج على بيان نظرية الفلاسفة في حقيقة الوحي:
النظرية الأولى ـ الوحي نتيجة النّبوغ
إنّ هناك أُناساً يفسرون النبوات والرسالات ونزول الوحي على العباد الصالحين بنحو يجمع بين تصديق الأنبياء من جانب، والأصول العلمية الحديثة المادية من جانب آخر. ومن هذا الباب تفسير بعضهم النبوة بالنبوغ، والوحي ـ الّذي هو المصدر الوحيد للتسنين والتشريع ـ بلمعات ذاك النبوغ.
وحاصل مذهبهم أنّه يتميز بين أفراد الإنسان المتحضر، أشخاص يملكون فطرة سليمة وعقولاً مشرقة، تهديهم إلى ما فيه صلاح الإجتماع وسعادة الإنسان، فيضعون قوانين فيها مصلحة المجتمع، وعمران الدنيا. والإنسان
[١] رسالة التوحيد. ص ١٠٩ ـ ١١١.