الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٩٠
إن التصوير الدقيق لسمو معاني القرآن لا يتأتى إلاّ بذكر نماذج من الآيات في مجالات مختلفة.
١ ـ المعارف العُلْيا
يتجلى سمو معاني القرآن في مجال المعارف بشكل واضح. فقد جاء هذا الكتاب بأسمى المطالب، وأغزر المضامين، في الدعوة إلى التوحيد ورفض الأصنام، ونفي الشرك والإثنينيّة، بل في باب إثبات الصانع، وصفاته. مضافاً إلى ما جاء من المضامين الدقيقة الفلسفية في الدعوة إلى عالم الغيب، وبقاء الروح بعد فناء البدن، وحشر الإنسان وعوده إلى الحياة، إلى غير ذلك ممّا ذكرنا بعضاً منه في الجزء الأول، ونذكر بعضاً آخر فيما يأتي من المباحث. ولكن لأجل عرض نموذج منه نأتي في هذا المقام بآيات:
أ ـ يقول سبحانه: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيء أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضَ بَلْ لاَ يُوقِنُونَ * أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ)[١].
أُنظر إلى هذا البيان الجزل، كيف يشير إلى برهان الإمكان بصورة موجزة مستحكمة لم يكن العرب ولا حكماؤهم عارفين به. وتّتضح حقيقة سمو المعنى إذا أمعنت النظر في كل شقّ من هذه الشقوق الأربعة.
ب ـ يقول سبحانه: (مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَد وَ مَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَه إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَه بِمَا خَلَقَ وَ لَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ)[٢].
ويقول سبحانه: (أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ * لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ)[٣].
[١] سورة الطور: الآيات ٣٥ ـ ٣٧. وقد تعرضنا إلى مفاد الآيات في الجزء الأول من الكتاب.
[٢] سورة المؤمنون: الآية ٩١.
[٣] سورة الأنبياء: الآيتان ٢١ و٢٢.