الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٣٩
فلأجل ذلك اقتضت الحكمة الإلهية أن يكون الدين الخالد مقروناً بالمعجزة الخالدة، حتى تتم الحجة على جميع الأجيال والقرون إلى أن تقوم الساعة، وهذا لا يمكن إلاّ بأن يكون للإعجاز وجودٌ خالدٌ وثابتٌ عبر القرون، وليس ذلك إلاّ أن يكون مثل القرآن.
وهذا لا يعني أنّه لم يكن للنبي الأكرم معجزة سوى القرآن، فإنّ ذلك باطل كما سنفصل البحث عنه في المقام الثاني، بل يعني أنّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـاختُص بهذه المعجزة دون غيره، وأنّه كان يركز عليها دون غيرها من سائر معاجزه.
وبعبارة أخرى: إنّ لدعوته سمة الشمول وسمة الخاتمية، أمّا الشمول، فَبَعْثُه إلى البشر كلِّهم، وأمّا الخاتمية فادعاؤه بأنّه خاتم النبيين وأنّ كتابه خاتم الكتب وشريعته خاتمة الشرائع، فمثل هذه الدعوة الّتي تَعُمُّ جميع الأجيال والأمكنة، لا تتم إلاّ باقترانها بمعجزة ساطعة على مرّ الدهور وتعاقب الأجيال أوّلاً، وفي جميع الأمكنة ثانياً، حتى يتمّ الإحتجاج على المتحرّي، في جميع الأمكنة والأزمنة. وقد عرفت أنّ مرور الزمان يضفي على سائر المعاجز، ثوب الظنّ والشك، إلى أن تصبح في أعين الناس، خصوصاً الذين هم في منأى عن الأجواء الدينية، كالأساطير الّتي تقرء في الكتب. فعند ذلك لا يتمكن المسلم المحتج من إقامة الحجة على مخالفه ومعانده، بل لا تتم الحجة في حدّ نفسها على المخالف. فاقتضت مشيئته سبحانه أن يبرهن دعوة نبيّه الخاتم بمعجزة ناطقة بالحق، في جميع الأمكنة والأزمنة تكون كفيلة بإتمام الحجة على البشر إلى قيام الساعة: (لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ)[١]، بل تكون (للهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ)[٢] على الناس في كل مكان وزمان.
* * *
[١] اقتباس من آيتين إحداهما في سورة النساء: الآية ١٦٥ والثانية في سورة الأنعام: الآية ١٤٩.
[٢] اقتباس من آيتين إحداهما في سورة النساء: الآية ١٦٥ والثانية في سورة الأنعام: الآية ١٤٩.