الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٩٠
هذه هي مقترحات القوم، ونحن نجيب عليها بجوابين: إجماليٍّ وتفصيليٍّ:
إجمال الجواب عن هذه المقترحات، أنّ النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إنّما لم يأت بها لعدم استجماعها لشرائط الإعجاز، إذ ليس القيام بالمعجزة من الأمور الفوضوية الّتي لا تخضع لشرط عقلي أو شرعي. وهذه المقترحات فاقدة لها.
تفصيل الجواب
أمّا الأول، فإنّ سنة الله الحكيمة في الحياة البشرية إستقرت على أن يصل الناس إلى معايشهم ومآكلهم ومشاربهم عن طريق السعي والجد، تكميلاً لنفوسهم وتربية لعزائمهم.
فإذا كان مطلوب القوم أن يُفَجِّر لهم النبي ينبوعاً وعيناً لا ينضب ماؤها، ليستريحوا بذلك من عناء تحصيل الماء، فهو على خلاف تلك السنة الحكيمة.
نعم ربما تقتضي بعض الظروف ـ كإبقاء حياة القوم ـ قيام النبي بذلك، كما فعل موسى عندما شكى إليه قومه الظمأَ، فاستسقى الله تعالى لهم، فأوحى إليه أنْ يضرب بعصاه الحجر، فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً[١]، ولكن مثل هذا لا يعد نقضاً للسنة العامة، كما أنّ الظروف في مكة لم تكن ظروفاً إضطراريةً.
وأمّا الثاني، وهو كون النبي مالكاً لجنة من نخيل وعنب يفجّر الأنهار خلالها، فليس هو طلباً للإعجاز، وإنّما كانوا يستدلّون بوجود الثروة على عظمة الرجل، وبالفقر وفقدان المال والإملاق على حقارته، ولذا قالوا، كما يحكيه عنهم تعالى: (لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُل مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيم)[٢].
وعلى هذا، فإجابة هذا الطلب يكون نوع اعتراف بهذه المزعمة، إذ ليس هناك رابطة، عقلية بين كون الرجل صاحب ثروة، وكونه متصلاً بالغيب. وإلاّ
[١] لاحظ سورة البقرة: الآية ٦٠.
[٢] سورة الزخرف: الآية ٣١.