الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٦
الضرر عن النفس، وثبت أيضأ أن ما يدعو إلى الواجب ويصرف عن القبيح فإنه واجب لا محالة. إذا صحّ هذا، وكنا نجوّز أن يكون في الافعال ما إذا فعلناه كنا عند ذلك أقرب إلى أداء الواجبات[١] وأجتناب المقبحات، وفيها ما إذا فعلناه كنا بالعكس من ذلك، ولم يكن في قوة العقل ما يعرف به ذلك ويفصل بين ما هو مصلحة ولطف، وبين ما لا يكون كذلك، فلا بد من أن يعرّفنا الله حال هذه الأفعال كي لا يكون عائداً بالنقص على غرضه بالتكليف. وإذا كان لا يمكن تعريفنا ذلك إلاّ بأن يبعث إلينا رسولاً مؤيداً بالمعجز الدالّ على صدقه، فلا بُدّ من أن يفعل ذلك، ولا يجوز له الإخلال به»[٢].
إشارة إلى هذا الدليل في الكتاب
قد جاء في الكتاب العزيز والسنة الشريفة إشارة إلى هذا الدليل نذكر منها:
قوله سبحانه: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ وَ أَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيَما اخْتَلَفُوا فِيهِ...)[٣].
فإن الاختلاف ـ إن كان عن نوايا صادقة ـ آية عجز البشر عن الوصول إلى الحقيقة.
وقول رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «ولا بعث الله نبيّاً ولا رسولاً حتى يستكمل العقل...»[٤].
وقول أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ : «فبعث الله محمداً ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ
[١] المراد من الواجبات ليس الفرائض الشرعية بل ما يقابل المقبحات، وهي الامور الّتي يحكم العقل بحسنها ولزوم الإتيان بها.
[٢] شرح الاصول الخمسة للقاضي عبد الجبار، ص ٥٦٤.
[٣] سورة البقرة: الآية ٢١٣.
[٤] الكافي، ج١، كتاب العقل والجهل، الحديث ١١.