الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١٤٤
الظاهرية، فلذا يقوى ظهورها في المرضى والسكارى والنائمين والمُرْهَقين وتبقى مندثرة ومغمورة في طوايا النفس عندما تكون القُوى الظاهرية والحواس البشرية في حالة الفعالية والجدّ والسعي.
هذا، وإنّ المعلوم من حالات الأنبياء ـ عليهم السَّلام ـ أنّ الوحي الإلهي كان ينزل عليهم في أقصى حالات تَنُّبههم واشتغالهم بالاُمور السياسية والدفاعية والتبليغية، فكيف يكون ما تجلّى للنبي وهو يخوض غمار الحرب، تجلياً للشخصية الباطنة، والضمير المخفي، أو ما شئت فعبّر، مّما لا يرى النور، إلاّ في حالات الغفلة والغيبوبة وما شابه ذلك، كما يصرّح به هؤلاء؟.
وأين الأنبياء من الخمول والإنعزال عن المجتمع، وهم أولو الجهاد، والصبر والثبات في مواجهة الأعداء وتبليغ رسالاتهم السماوية؟.
فما ذكرناه دليل قاطع على بطلان تفسير الوحي بما ذكروه.
الجهة الثالثة: لا شكّ أنّ الشخصية الباطنة للإنسان لا تملك تلك المعلومات الّتي تفيضها في حالات تعطّل الحواس، من ذاتها وصميمها من دون أن تتلقى شيئاً من خارجها. وإن دعوى ذلك، باطلٌ، لا قيمة له في سوق العلوم النفسية. فإنّ الّذي توصّل إليه علماء النفس قبل «فرويد» وبعده، هو أنّ الشخصية الباطنة للإنسان تُحفظ فيها المعارف الّتي تردّها عبر القوى والشخصية الظاهرية، وذلك عندما لا ترغب الشخصية الظاهرية في إبقائها في مجال نشاطها وتفكرها، فتنسحب تلك الأفكار والمعارف إلى أعماق ضميره وشخصيته الباطنة، فتكمن في زواياها، وتختبيء بين طوايها، مُتَحيِّنة فرصة تعطيل الشخصية الظاهرية، حتى تنبعث من مكامنها، وتجري على لسان صاحبها من دون إرادة منه ولا ميل، كما عرفت في حالات التنويم المغناطيسي، وكما يقع غالباً في حالات السهو والغفلة، من تلفظ الإنسان بما لا يرغب، أو يتحاشى إظهاره مّما أضمره في نفسه، ولا يُظهره قطعاً عند التفاته وانتباهه. وفي هذا المجال يقول الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ : «ما أَضَمَرَ أَحَدٌ شيئاً إِلاَّ ظهر في فلتات لسانه وصفحات وجهه»[١].
[١] نهج البلاغة، باب قصار الحكم، الحكمة ٢٦.